
تنطوي بعضُ “التتابعات” القرآنية، بين آيةٍ وأخرى، أو بين مقطعين متتاليين من الآيةِ ذاتِها، على أسرارٍ يُعينُ تبيُّنُها على الإحاطةِ بالعلةِ من وراء هذا التتابع. صحيحٌ أنَّ هذا التتابعَ يقتضي منا وجوبَ أن نتدبَّرَ السياقَ القرآني، وبما يكفل لنا أن نستشفَّ المعنى الكامن في الجملةِ القرآنية التي يشكِّلها، إلا أنَّ ما ينبغي التشديدُ عليه هنا هو أن ليس كلُّ مقطعَين من آيةٍ كريمةٍ ما متتابعَين تتابعاً سببياً قائماً على أساسٍ من علاقةِ السبب بالنتيجة. ولعل أفضل ما بوسعه أن يُعينَنا على تبيُّنِ هذا الفارقِ الجوهري هو أن نتدبرَ الآيةِ الكريمة 128 من سورةِ النساء: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
حيث يتتابعُ في هذه الآيةِ الكريمة مقطعان كريمان تتابعاً ليس بالعسير تبيُّنُ ما يربط بينهما من علاقةٍ سببيةٍ العلةُ فيها بيِّنةٌ كما هي بيِّنةٌ نتيجتُها. فقولُ اللهِ تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) هو تتابعٌ بين المقطعَين “وَالصُّلْحُ خَيْرٌ” و”وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ”. فاللهُ تعالى إذ بيَّن ما يشتملُ عليه الصلحُ بين الفريقَين المتخاصمين من خيرٍ عظيم، فإنه أتبعَ ذلك بإيضاحِ ما يكتنفُ هذا الإصلاحَ من صعوبةٍ وعسر؛ كيف لا وهو يدعو إلى أن يخالفَ المرءُ ما تأمرُه به نفسُه، وإلى الامتناعِ عن موافقةِ ما يزيِّنه له هواه؟ فهذان المقطعان الكريمان يكملُ أحدُهما الآخر، إذ أنَّ المقطعَ الثاني يكشف النقابَ عن حقيقةٍ لابد وأن تؤخذَ بنظرِ الاعتبار بشأنِ ما ينبغي على المتخاصمَين أن يتصديا له ما أن يشرعا بتحكيمِ منطق الإصلاح والاحتكامِ إلى كلِّ ما يقضي به من حملٍ للنفسِ على ما تكره وصرفٍ لها عما تحب.
