
لم يكن حادثة خليج تونكين مجرّد سوء تقدير عسكري أو خطأ استخباراتي عابر، بل شكّل نموذجًا تأسيسيًا لآلية تبرير الحرب في السياسة الأمريكية الحديثة. ففي عام 1964، استند الرئيس ليندون جونسون إلى رواية تعرّض مدمرات أمريكية لهجوم في خليج تونكين ليحصل على تفويضٍ مفتوح من الكونغرس، مكّنه من نقل الوجود الأمريكي في فيتنام من “مستشارين عسكريين” إلى حرب شاملة.
لاحقًا، تبيّن أن أحد الهجومين على الأقل لم يقع أصلًا، وأن الوقائع قد صيغت أو ضُخِّمت بما يخدم قرارًا كان متخذًا سلفًا. غير أنّ خطورة تونكين لا تكمن في الحدث نفسه، بل في تحوّله إلى قالبٍ قابل للاستنساخ.
منذ تونكين، لم تعد الذريعة حدثًا استثنائيًا، بل أداة مُمنهجة لإدارة الرأي العام. تقوم هذه التقنية على عناصر متكرّرة:
1. تهديد مبهم أو مُختلق: خطر وشيك، غير قابل للتحقق الفوري.
2. سردية أخلاقية جاهزة: الدفاع عن الحرية، حماية المدنيين، منع كارثة أعظم.
3. إغلاق زمن التفكير: استعجال القرار بحجة “اللحظة الحرجة”.
4. تعليق المساءلة: تحويل التشكيك إلى خيانة أو تعاطف مع العدو.
بهذا المعنى، تصبح الحرب نتيجة لعملية إدراكية مُدارة أكثر منها استجابة لوقائع موضوعية.
وفي عام 2003، قدّمت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش رواية امتلاك العراق أسلحة دمار شامل بوصفها تهديدًا وجوديًا للعالم. عُرضت “أدلة” في مجلس الأمن، وتحوّلت الذريعة إلى حرب أطاحت بدولة كاملة. لاحقًا، أقرّت لجان التحقيق بأن تلك الأسلحة لم تكن موجودة. هنا، نواجه نسخة مكتملة الأركان من “تونكين”، وذلك كما يتبين لنا بتدبر الملاحظات التالية:
1. تهديد مصطنع
2. إجماع إعلامي
3. حرب مدمّرة
4. ثم اعتذار مؤجل بلا محاسبة
بعد هجمات 11 سبتمبر الأرهابية، تحوّل الحدث على فداحته إلى تفويض مفتوح لحرب استمرّت عشرين عامًا في أفغانستان. لم يكن السؤال: من المسؤول؟ بل: إلى أي حد يمكن توسيع الحرب؟
هكذا استُخدم الألم الحقيقي لإنتاج سياسة دائمة للحرب، قبل أن تنتهي المغامرة بانسحابٍ فوضوي أعاد طالبان إلى الحكم.
وفي ليبيا، صيغت الذريعة تحت عنوان “حماية المدنيين”. لكن النتيجة كانت تفكيك الدولة وانتشار الميليشيات وتحويل البلد إلى ساحة صراع مفتوح. لم يُطرح سؤال: ماذا بعد القصف؟ لأن الذريعة لا تُعنى بالمآلات، بل بتبرير الفعل فقط.
والآن، إذا ما جُمعت هذه النماذج، يتبيّن لنا أن “خليج تونكين” لم يكن حادثة، بل بداية نمط يكشف خللًا بنيويًا في وعي القوة المهيمنة، حيث تُستبدل الحقيقة بالوظيفة، والواقع بالسردية، والمساءلة بالأثر الإعلامي.
إن تكرار هذه الذرائع لا يدل على سذاجة الشعوب فقط، ولكن على تآكل البنية الأخلاقية للنظام الدولي، وعلى استعداد دائم لتجميد العقل الجمعي كلما استدعت الحاجة قرارًا لا ينجم عنه إلا مزيدٌ من الإفسادِ في الأرض وسفكٍ للدماء.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن السؤال لم يعد: هل كانت الذريعة كاذبة؟ بل: كم مرة يجب أن تتكرر الكذبة حتى تصبح سياسة؟ فما دام النظام الدولي يسمح لقوة واحدة بصياغة الخطر وتعريف العدو وتحديد لحظة الحرب، فإن “خليج تونكين” سيظل يتكرر بأسماء جديدة وجغرافيا مختلفة وضحايا لا يُحصَون.
