
تتحدى المقاربةُ التي تتبناها هذه المقالة النظرةَ السائدة في علم الاجتماع الديني التي تزعم أن الدين تطور من التعدد إلى التوحيد. الواقع الميثولوجي، بدءاً من وادي الرافدين (آنو) ومصر (رع) وصولاً إلى جبل الأوليمب اليوناني ومجمع الآلهة الجرمانية، يشير إلى “وحدانية منقوصة”. ففي كل هذه الحضارات، يوجد دائماً “إله أعظم” يحكم مجمع الآلهة، ويدير العالم بمقتضى ما أوكله إلى غيره من سلطات.
إن هذا “الإله الملك” هو البقية الباقية من التوحيد الأولي الذي كان سائداً قبل أن تتشعب الديانات إلى وثنية. فبدلاً من أن يكون التوحيد “نهاية” لعملية تطور فكري، يبدو أنه كان “الأصل” الذي تآكل بفعل الزمن. لقد جزّأ الإنسان القديم صفات الإله الواحد إلى كيانات مستقلة (إله للحرب، إله للجمال، إله للنهر)، محولاً التفويض الإلهي إلى استقلال ميثولوجي. وبناءً عليه، فإن أساطير الزامبيزي الافريقية والاساطير الأسترالية ليست مجرد خرافات بدائية، بل هي “سجلات حفرية” تؤكد أن الإيمان بإله واحد أعظم هو الفطرة الأولى التي انبثقت منها كافة التنويعات الدينية في تاريخ البشرية.
