
في عصر التجزئة المعرفية، يبرز هذا المشروع كحراك فكري يسعى لاستنطاق “المسكوت عنه” في التقاطعات الحادة بين العلم والدين واللغة. فهذا المشروع ليس مجرد تجميع للمعلومات، بل هو محاولة لترميم الوعي الإنساني عبر ثلاثة محاور كبرى:
أولاً: الأركيولوجيا اللغوية وفك الارتباط الاستعماري
ينطلق المشروع من إيمان عميق بأن اللغة هي وعاء الوجود. من خلال البحث في الإيتيمولوجيا (أصول الكلمات) والمقارنة بين المعاجم (كالعربية والإنجليزية)، لا يسعى المشروع للبحث اللغوي المجرد، بل إلى “تفكيك استعمار العقل”. يهدف هذا المحور الى تحرير اللغة العربية من القوالب الفكرية الوافدة وإعادة إحياء المنهج البياني (مدرسة بنت الشاطئ وأمين الخولي) لفهم النص الديني والواقع التاريخي بعيداً عن المركزية الغربية.
ثانياً: التطور والهشاشة الإنسانية (المنظور التكاملي)
يمثل هذا المحور الجانب الأكثر جرأة في المشروع؛ حيث يتم تناول نظرية التطور لا بمنطق الصدام مع الدين، بل بمنطق “الاستيعاب والتكامل”. يقوم هذا المحور على أساس من قراءة مفهوم “الخطيئة الأولى” أو “الهشاشة الإنسانية” كظواهر تطورية ووجودية في آن واحد. فالإنسان، وفقاً لهذه المقاربة، هو “كائن استثنائي” لا يمكن اختزاله في بايولوجيا محضة، بل هو كائن يحمل أبعاداً ميتافيزيقية تتجلى في وعيه وقلقه وبحثه الدائم عن المعنى، وهو ما يفسر الاهتمام بـ “بيير تيلار دو شاردن” وفكرة النشوء والارتقاء الروحي.
ثالثاً: التزامن التاريخي والميثولوجيا المقارنة
يسعى هذا المحور إلى رصد “الخيوط الخفية” التي تربط الأحداث التاريخية والظواهر الكونية. من خلال دراسة (التزامن) عند يونغ، وربطها بالفيزياء الكمية أو الأحداث الجيوسياسية المعاصرة، يطرح المشروع رؤية تقول بأن التاريخ ليس سلسلة عشوائية، بل هو نسيج محكم. ويتطرق هذا المحور ايضاً الى البحث في الميثولوجيا (مثل أسطورة التنين أو فنون الخيمياء)، حيث ينتهي إلى فرضية كبرى تضع “التوحيد” كأصل للدين وليس مجرد تتويج لتطوره، مما يعيد الاعتبار للأنثروبولوجيا الدينية من منظور قرآني.
رابعاً: نقد الحداثة والبحث عن “ما وراء العلم”
من خلال استدعاء غاستون باشلار وهانا أرندت، يمارس المشروع نقداً جذرياً لـ “جمود العلم المعاصر” و”تفاهة الشر”. هو مشروع لا يكتفي بالوصف، بل يحلل كيف تحولت الحداثة إلى آلة لإنتاج الاغتراب، وكيف يمكن للوعي الجمالي (وليم بليك، هرمان هيسه) أن يكون مخرجاً لاستعادة التوازن المفقود.
إن هذا المشروع المعرفي، كما يُستشف من مسارات البحث، هو رحلة للبحث عن “التوحيد المعرفي”؛ فهو يرفض الفصل التعسفي بين فيزياء الكون وميتافيزيقا الروح، وبين تاريخ الاستعمار ومستقبل الهوية. فهو محاولة جادة لتأسيس “بنيان معرفي” يرى في هشاشة الإنسان مصدر قوته، وفي لغته مفتاح تحرره، وفي تاريخه مرآة لغيبه.
