انهيار منطق العقوبة… مقاربة ميتابايولوجية في تحلل الردع داخل النظام العالمي المعاصر

من أبرز مظاهر الخلل الميتابايولوجي الذي أصاب الوعي الإنساني بعد التحويلة التطورية الأولى، تلك النزعة المتسارعة إلى إصدار الأحكام اعتمادًا على معطياتٍ لا تنتمي إلى المشهد قيد التقييم، بل تُستجلب من خارجه، وتُفرض عليه قسرًا. هذه المسارعة ليست مجرّد خطأ معرفي عابر، بل سلوك بنيوي يعكس طبيعة الإنسان بعد خروجه على الاقتصاد الغريزي الذي يحكم عالم الحيوان. فالحيوان، من حيث المنفعة التطورية، لم يُكيَّف ليُبدع سرديات لا صلة لها بالموقف الآني، ولا ليُهدر الطاقة في تأويلات رمزية أو أخلاقية تتجاوز مقتضيات البقاء. إن حكمه محكوم بقانون صارم يمكن تسميته بـ الاقتصاد الطبيعي للطاقة والاستجابة.
أما الإنسان، فقد أُصيب وعيه بخلل بنيوي، إذ أصبح ميّالًا إلى استهلاك كمٍّ هائل من الموارد الذهنية والوجدانية في بناء تصورات وتقييمات لا تعود عليه بمنفعة تنظيمية، بل تفضي في كثير من الأحيان إلى تشويش القرار وإرباك السلوك. وهذا الخلل لا يتوقف عند الفرد، بل يتمدد ليصيب الكيانات والجماعات، بل والأنظمة الحضارية بكاملها. وهنا يتجلّى الانهيار الميتابايولوجي الأخطر: انهيار منطق العقوبة بوصفه آلية ضبط للسلوك.
إن الاعتقاد السائد في العقل الحداثي بأن مقولات الأقدمين لم تعد صالحة لتوصيف عالمنا المعاصر ليس سوى شكل آخر من أشكال الانحياز المعرفي. فالقطيعة المتوهَّمة مع الحكمة القديمة ليست تقدمًا، ولكنها فقدانٌ لذاكرة تطورية كانت تضبط السلوك الإنساني بقواعد بسيطة ولكن فعّالة. فيكفينا أن نستحضر مثلين من التراث العربي لنقف على عمق هذا الإدراك المبكر: “مَن أمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدب” و”ناس تخاف ما تختشيش”. هذان المثلان لا يقدمان موعظة أخلاقية فحسب، بل يختزلان قانونًا سلوكيًا صارمًا: غياب الخوف من العواقب يؤدي حتمًا إلى انفلات السلوك، لا إلى تهذيبه. إنهما شاهدان على مرحلة كان فيها الوعي الإنساني لا يزال يحتفظ ببقايا توازن بين الفعل والجزاء، بين القوة والردع، قبل أن يتحلل هذا التوازن في بنية النظام العالمي الحديث.
إن ما يشهده العالم اليوم من ظلمٍ ممنهج ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجة حتمية لانهيار هذا المنطق. فلو لم يكن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب قد أمِنَ المحاسبة، لما تجرأ على العدوان المتكرر على الشرعة الدولية، ولا على تقويض منظومة القوانين والمواثيق التي تنظّم العلاقات بين الدول. إن عدوانه على فنزويلا، وتهديداته المتواصلة بالاستحواذ على غرينلاند، ولو بالقوة العسكرية، لا يمكن فهمها بوصفها شذوذًا شخصيًا، بل بوصفها سلوكًا منطقيًا داخل منظومة رفعت العقوبة عن الأقوياء، وجرّدتها من أي كلفة حقيقية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “العالم الحر الديمقراطي” لا يعاني أزمة قيم فحسب، بل أزمة آليات ردع. وحين تنهار العقوبة، لا يعود للأدب السياسي معنى ولا للخطاب الحقوقي وزن ولا للقانون الدولي وظيفة سوى التزيين الخطابي. بهذا المعنى، فإن انهيار منطق العقوبة ليس خللًا قانونيًا فحسب، ولكنه عرضٌ متقدم لمرض ميتابايولوجي أصاب وعي الإنسان، وجعله يتصرف كما لو كان فوق التاريخ وفوق الحساب وفوق العواقب، حتى وإن كان الثمن تفكك النظام نفسه.

أضف تعليق