
إن المتتبعَ لما آل إليه أمرُ الحضارةِ الغربية لن يصعبَ عليه أن يخلصَ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ هذه الحضارة قد اجتازت، ومنذ زمنٍ بعيد، عتبةَ “الإصلاح الذاتي” الذي كان بإمكانِها أن تفيدَ منه لتحولَ دون أن تتفاقمَ الأخطاءُ الكارثية التي اقترفها قادتُها فعجَّلت بمسيرِها نحو الزوال. فهؤلاء القادة، وبتخلِّيهم عن أي مسعىً حقيقي لإصلاحِ شؤون حضارتِهم، قد أسسوا لمنهاجٍ حرصوا على جعلِه عصياً على كلِّ محاولةٍ لتصويبِه، وذلك حتى لا يُفضي بهذه الحضارة إلى مصيرِها المحتوم. فكيف نأمل إذاً أن ينبريَ قادةٌ جدد للقيامِ بما عجز عن التصدي له سابقوهم الذين عملوا كلَّ ما بوسعِهم ليجعلوا من العسيرِ على مَن سيأتي بعدهم أن يحيدَ عن منهاجِهم هذا؟ فلقد أدمنَ قادةُ الغرب على أن يُسلِموا قيادَهم “للأخِ الأمريكي الأكبر” الذي فاجأهم بوجهِه الجديد المتمثل بالرئيسِ الأمريكي الحالي دونالد ترمب، والذي قام، وعبرَ مسلكٍ استراتيجي بعيد الأمد، بتجريدِ أوروبا من كلِّ مقومات استقلاليةِ القرار، وذلك بدءاً بجعلِها تعتمد مصادرَ طاقةٍ أمريكية فتتخلى بذلك عن مصادرِ الطاقة الروسية، بحجةٍ مفادها أنَّ في ذلك إدامةً للضغوط على روسيا الاتحادية حتى تُضطرَّ إلى إيقافِ حربِها في أوكرانيا والخروجِ منها مهزومةً تجرُّ أذيالَ الخيبة.
إنَّ الأمةَ الأوروبية، وبانصياعِها لسيدِ البيت الأبيض، وبانخداعِها بخطتِه المُحكَمة، قد جعلت من غيرِ الممكن القيام بما يحول دون انهيارِ حضارتِها.
