
إن المتأمل في مسارات البحث التي اتخذتها يدرك أننا لسنا أمام شتات من المعارف، بل أمام محاولة جادة لصياغة “نظرية معرفة بديلة” (Alternative Epistemology). هذا المشروع يسعى لتجاوز القطيعة التي أحدثتها الحداثة الغربية بين الذات والموضوع، وبين العلم والمقدس.
فهذا المشروع لا يتعامل مع اللغة العربية كأداة للتواصل فحسب، بل كـ “مختبر للوعي” . فاهتمام هذا المشروع بمدرسة “البيان” عند عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) وأمين الخولي، يهدف إلى استعادة “سلطة النص” من التفسيرات المؤدلجة أو المتغربة. ففك الارتباط بالاستعمار يبدأ من الكلمة؛ فالبحث في أصول الأسماء (كالنظرة لآمون أو أصل تسمية كاليفورنيا) هو بحث عن الهوية المفقودة تحت ركام المركزية الأوروبية.
إن هذا المشروع لا ينظر الى التطور كميكانيكا مادية صماء، بل يراه كعملية “إرتقاء” نحو الوعي. فمفهوم “الهشاشة البشرية” أو “الخطيئة الأولى” هو ليس عيباً بيولوجياً فحسب، بل هو “الميزة التنافسية” التي جعلت الإنسان كائناً أخلاقياً وميتافيزيقياً. فالهشاشة هي التي تفتح الباب للاحتياج للمطلق، وهي التي تجعل من “الأنا” كائناً باحثاً عن المعنى لا عن البقاء فحسب.
كما إن استحضار هذا المشروع ليونغ والفيزياء الكمية في سياق الأحداث التاريخية (مثل تلازم غرق التايتانيك مع رواية خيالية سبقتها) يشير إلى إيمان بـ “وحدة الوجود الإجرائية”. فالتاريخ هنا ليس “خطاً زمنياً”، بل هو “حقل طاقي”. فهذا المشروع يسعى لبناء رؤية جيوسياسية مستفيداً من “سجناء الجغرافيا” و “التزامن”، وذلك بإفتراض أن العالم محكوم بقوانين تتجاوز المادة، حيث الأحلام والرؤى (كأحلام يونغ عن الحرب العالمية الأولى)، تمثل “مجسات” سابقة للواقع المادي.
كما ويسعى هذا المشروع، وذلك من خلال مقاربته التصحيحية للأنثروبرلوحيا الدينية، الى إثبات بطلان ما يزعمه الأنثروبولوجيون التقليديون من أن الدين تطور من “الطوطمية” إلى “التوحيد”. فبالبحث في اساطير “الزامبيزي” وعلاقتها بالتوحيد القرآني يصبح بالإمكان إثبات أن “التوحيد هو الفطرة المعرفية الأولى”، وأن تعدد الآلهة أو الأساطير ما هو إلا “تلوث معرفي” أو انحراف عن الأصل. وبذلك يمثل هذا المشروع دعوة للعودة إلى “النقاء المعرفي الأول”.
إن الاهتمام المعرفي الذي يبديه هذا المشروع بهيرمان هيسه وويليام بليك، بجانب باشلار وفوكو، ليس اهتماماً أدبياً محضاً، بل هو “سلاح نقد”. فهذا المشروع المعرفي الجديد يوظف الفن والأدب لترميم ما أفسده “جمود العلم”. فهذا المشروع يرى أن “الخيال” هو أداة إدراكية لا تقل أهمية عن “المختبر”، وأن الحقيقة التي لا تلمس الروح هي حقيقة ناقصة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن هذا المشروع هو صرخة في وجه “العدمية المعاصرة”. إنه يحاول أن يقول: إننا يمكن أن نكون “حديثين” (نؤمن بالعلم، والبيولوجيا، والفيزياء) و”مؤمنين” (نستنطق القرآن، ونبحث في الروح، ونقدس المعنى) في آن واحد، دون فصام نكدي.
