
في تاريخ الإمبراطوريات، نادراً ما تكون النهايات محض صدفة عندما يتعلق الأمر بشخصيات “صنعت” ملوكاً ورسمت حدوداً. جيرترود بيل وتي. إي. لورنس لم يكونا مجرد موظفين في الخارجية البريطانية؛ بل كانا “عقل” و”روح” المشروع البريطاني في المشرق العربي، وتحديداً في العراق. الرواية الرسمية التي تتحدث عن “جرعة زائدة من الحبوب المنومة” لمس بيل في بغداد (1926)، و”حادث دراجة نارية” للورنس في دورست (1935)، تبدو اليوم وكأنها سيناريوهات جاهزة لإغلاق ملفات شخصيات بدأت تتحول من “أدوات تنفيذية” إلى “شهود مزعجين” على خيانات السياسة الإمبراطورية.
تزعم الرواية الرسمية أن “ملكة الصحراء” المس بيل، قد انتحرت بسبب شعورها بالتهميش واكتئابها الشخصي. لكن القراءة المغايرة تشير إلى أن بيل، التي كانت تمتلك شبكة علاقات مع النخب العراقية والقبائل تفوق ما لدى “المندوب السامي البريطاني”، أصبحت تشكل عائقاً أمام التحولات الجديدة في السياسة البريطانية التي اتجهت نحو تصفية الوعود التي قطعتها بيل لرفاقها العرب. غير أن هنالك ثغرة بإمكانها ان تشكك في الرواية الرسمية البريطانية تتعلق بسرعة دفن بيل (خلال أقل من 24 ساعة) دون تشريح دقيق للجثة في بلد كانت هي فيه الشخصية الأكثر نفوذاً. وهذا أمرٌ يثير تساؤلات حول الرغبة في إخفاء “الحقيقة الكيميائية” لوفاتها.
أما فيما يتعلق بـ “لورنس العرب”، فإن هنالك أمراً يثير الارتياب والاستغراب، فبعد أسابيع فقط من مغادرته الخدمة في سلاح الجو الملكي، وبينما كان يخطط للقاءات سياسية هامة (قيل إنها مع وينستون تشرشل)، انحرف لورنس بدراجته البخارية وتوفي. الرواية الرسمية تقول إنه حاول تفادي صبيين، لكن شهود عيان تحدثوا عن “سيارة سوداء” غامضة كانت في موقع الحادث. غير أن بإمكاننا ان نقدم فرضية بديلة (مستقاة من بعض الحقائق التاريخية وما رواه شهود ثِقاة) مفادها أن لورنس كان بصدد كتابة مذكرات واتخاذ مواقف قد تحرج “الدولة العميقة” في لندن، خاصة فيما يتعلق بوعود الثورة العربية واتفاقية سايكس-بيكو التي كان يراها طعنة في الظهر.
إن هاتين “النهايتين المفبركتين” تذكرانَنا بنهايات غامضة لشخصيات دولية أخرى مثل داغ همرشولد (الأمين العام السابق للأمم المتحدة) الذي سقطت طائرته في ظروف غامضة، أو حتى التحقيقات اللاحقة في اغتيالات سياسية غلفت بغلاف “الحوادث العارضة”. وهذه هي آلية “التخلص النظيف” التي تمارسها الوكالات السرية عندما يصبح “البطل” عبئاً على “المشروع”.
كما أن بإمكاننا أن نعزز من قوة هذه الفرضية البديلة وذلك بإيراد بعض الشهادات والسرديات التي تؤكد أن هنالك “تدخلاً بشرياً” يكمن من وراء النهاية المأساوية لكلٍ من لورنس العرب ومس بيل. فبخصوص لورنس العرب، فبإمكاننا أن نورد شهادة “كورتي كاتشبول” (Corporal Catchpole) : أحد الشهود الرئيسيين في موقع الحادث، والذي أكد مراراً أنه رأى سيارة سوداء غامضة تسير في الاتجاه المعاكس للورنس لحظة الحادث، وهي شهادة تم تجاهلها في التحقيق الرسمي؛ حيث لم يتم استدعاؤه للإدلاء بها أمام المحكمة. وهناك فرضية “العودة للسياسة” تفيد أن هناك تقارير استخباراتية مسربة لاحقاً أن لورنس كان مرشحاً من قبل تشرشل وآخرين للقيام بدور قيادي في إعادة تنظيم الدفاع البريطاني، وهو ما كان يرفضه الجناح التقليدي في الاستخبارات البريطانية (MI6) الذي كان يرى في لورنس شخصية “متمردة” لا يمكن السيطرة عليها. ولقد فرضت السلطات البريطانية حظراً على السجلات الطبية والتحقيقات المتعلقة بحادث لورنس لعدة عقود(D-Notice)، وهو إجراء لا يُتخذ عادة في “حوادث السير” العادية.
أما بخصوص جيرترود بيل، فهناك رواية عن الخدم وبعض المقربين منها في بغداد ذكروا أنها كانت تخطط لرحلات مستقبلية وكانت في حالة ذهنية جيدة قبل وفاتها بأيام، مما يتناقض مع صورة “المرأة المحطمة” التي روجت لها الإدارة البريطانية لتحبيذ فرضية انتحارها. كما أن هنالك ما يشير الى ان السير هنري دوبس “المندوب السامي البريطاني” في العراق آنذاك كان يضيق ذرعاً بتدخلات بيل وانحيازها للملك فيصل ضد السياسات البريطانية المتشددة، مما يجعل “غيابها المفاجئ” مصلحة إدارية وسياسية عليا. أما توقيت وفاة المس بيل (المزعومة) فقد كان يشير الى انها قد حدثت في وقت كانت فيه المفاوضات حول معاهدة 1926 والسيطرة على نفط كركوك في ذروتها، وهي ملفات كانت بيل تملك حولها رؤى قد لا تتوافق مع الأطماع النفطية الصرفة.
