التتابع القرآني بوصفه كشفًا عن الخلل البنيوي في النفس… ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ نموذجًا

إذا ما أُعيد تدبّر التتابع القرآني في قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، فمن منظور الميتابايولوجيا، فإن هذا التتابع لا يكتفي بوصف عارضٍ نفسيٍّ طارئ، بل يكشف عن خللٍ بنيويٍّ أصيل في بنية النفس الإنسانية، خللٍ سابق للفعل وملازمٍ له ومؤثّرٍ في قابليته للتحقق. فالقرآن، إذ يقرّر أن الصلح خير، لا يفترض أن النفس مهيّأة بنيويًا لاحتضان هذا الخير تلقائيًا، بل يُعقّب مباشرة بكشف العائق البنيوي الذي يعترض طريقه والمتمثل بإحضار الشح إلى النفس. وهنا لا تُقرأ أُحضِرَت بوصفها وصفًا ظرفيًا أو توصيفًا أخلاقيًا، بل بوصفها توصيفًا بنيويًا لحالة نفسية جرى تثبيتها في بنية الإنسان بعد التحويلة الأولى؛ أي بعد لحظة الانكسار البنيوي التي جعلت النفس تميل إلى الاحتفاظ بدل البذل وإلى الدفاع عن الذات بدل المصالحة وإلى تبرير الامتياز بدل التنازل.
إن الشح، بهذا المعنى ليس انحرافًا سلوكيًا لاحقًا، بل أثرًا بنيويًا لخلل أعمق، خلل جعل النفس ترى في كل صلح تهديدًا مكتومًا لمجالها الحيوي، حتى وإن أدرك العقل أن الصلح خير. ومن هنا، فإن الصلح، في الرؤية القرآنية، لا يُقدَّم بوصفه امتدادًا طبيعيًا للفطرة، بل بوصفه فعل مقاومة داخلية، يتطلّب تعطيل الاستجابة النفسية الافتراضية وكبح ميول الاحتكار والتمركز حول الذات وتجاوز منطق “الخسارة الذاتية” الذي تفرضه النفس المشحونة بالشح. وبذلك، يصبح هذا التتابع القرآني مثالًا دقيقًا على ما يمكن تسميته في المشروع الميتابايولوجي بانفصال القيمة عن القابلية النفسية؛ حيث يُدرك الإنسان الخير، لكنه لا يُنتجه تلقائيًا. فالخلل البنيوي في النفس لا يتمثّل في جهل الإنسان بما هو خير، بل في مقاومته اللاواعية له حين يتعارض مع مصالح النفس المشحونة بالشح. وعليه، لا يكون الصلح في القرآن حلًّا اجتماعيًا فحسب، بل تمرينًا وجوديًا يختبر قدرة الإنسان على تجاوز خلله البنيوي، ولو مؤقتًا، عبر الإحسان والتقوى لا عبر الاستجابة الغريزية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هذا التتابع القرآني يقدّم نموذجًا مكثّفًا لكيفية اشتغال الخلل البنيوي في النفس: فالخير يُعرَف لكن النفس تُمانع والفعل الأخلاقي لا يتحقّق إلا بمجاهدة الخلل وليس بالانسجام معه. ما يجعل الصلح في الرؤية القرآنية فعل ترميم بنيوي مؤقت، لا حالة نفسية طبيعية مستقرة.

أضف تعليق