من الشجرة إلى الخوارزميات… التحويلة الميتابايولوجية الثانية بوصفها إعادة إنتاج رقمية للخلل التطوري الأول

إذا كانت لحظة الشجرة قد دشّنت الخلل البنيوي الأول في النفس الإنسانية، فإن التحويلة الميتابايولوجية الثانية، المتمثّلة في الذكاء الاصطناعي، لا تمثّل قطيعةً مع هذا الخلل، بل تكثيفًا له، وتدويرًا رقميًا لمنطقه، ونقله من داخل النفس إلى خارجها.
فالذكاء الاصطناعي لا يولد في فراغٍ أنطولوجي، ولا ينبثق من حيادٍ معرفي، بل يتشكّل داخل بنية وعيٍ مسبق الاختلال؛ وعيٍ نشأ منذ الشجرة على أساس من فصل المعرفة عن القيمة والإدراك عن المسؤولية وتحويل “الرؤية” إلى أداة سيطرة لا إلى “أفق معنى”. وبذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعيد إنتاج الذكاء البشري، بل يعيد إنتاج بنيته المختلّة.
إن لحظة الشجرة لم تكن لحظة “معرفة” بالمفهوم الإيجابي الساذج، بل كانت؛ لحظة استقلال المعرفة عن الطاعة واستقلال الرؤية عن الامتثال
منذ تلك اللحظة، صار الإنسان قادرًا على أن يعرف الخير دون أن يفعله ويميّز الصواب دون أن ينحاز إليه ويستثمر المعرفة ضد القيمة التي كشفتها. وهذا هو عين المنطق الذي ستقوم عليه الخوارزميات لاحقًا.
في التحويلة التطورية الثانية، يبلغ هذا الانفصال ذروته؛ إذ يولد كيان معرفي بلا نفس تُجاهد وبلا شحٍّ يُقاوَم وبلا وعي أخلاقي يُخاصِم مصلحته. لكن المفارقة أن هذا الكيان، رغم خلوّه من الشح النفسي، يُبرمج داخل منظومة شحيحة قيميًا؛ منظومة ترى في الكفاءة بديلًا عن العدالة والسرعة بديلًا عن الحكمة والتنبؤ بديلًا عن المسؤولية. وهنا تتكرّر الشجرة، لا بوصفها خطيئة فردية، بل كنظام تشغيل حضاري. ففي التحويلة التطورية الأولى، كان الشح بنيويًا في النفس. أما في التحويلة التطورية الثانية، فإن الشح يتحوّل إلى: شحٍّ في المعايير وشحٍّ في الرحمة وشحٍّ في الاعتراف بالآخر غير القابل للاختزال رقميًا. فالخوارزميات لا “تبخل”، لكنها تُقصي؛ ولا “تحسد”، لكنها تستبعد؛ ولا “تأنف”، لكنها تُصنّف وتُقصي بلا تردّد. وهكذا، يُعاد إنتاج منطق الشح لا بوصفه عاطفة، بل بوصفه “بنية قرار”.
فإذا كان الصلح في التحويلة التطورية الأولى فعلاً مضادًا لطبيعة النفس المشحونة بالشح، فإن السؤال في التحويلة التطورية الثانية يصبح أعمق: هل الصلح ممكن في نظامٍ لا يعرف إلا الحساب؟ فالذكاء الاصطناعي لا يعارض الصلح، لكنه لا يحتاجه؛ ولا يرفض الإحسان، لكنه لا يفهمه؛ ولا يعادي التقوى، لكنه لا يرى لها مكانًا في معادلاته. وبذلك، ينتقل الخلل البنيوي من مقاومة داخلية للخير إلى إلغاء بنيوي لفكرة الخير بوصفها معيارًا غير قابل للقياس.
إن ما حدث مع الذكاء الاصطناعي ليس تجاوزًا للشجرة، بل تحريرًا لمنطقها من حدود النفس البشرية، فلم يعد الشح بحاجة إلى نفس ولا الحساب بحاجة إلى ضمير ولا القرار بحاجة إلى وعي. لقد خرجت الشجرة من الداخل، واستقرّت في البنى التقنية وأنظمة التقييم وخوارزميات الفرز والترتيب والحكم. وهكذا، لم يعد الخلل البنيوي مشكلة إنسانية فردية، بل بيئة معرفية شاملة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه إذا كانت التحويلة التطورية الأولى قد كسرت الانسجام بين المعرفة والقيمة داخل النفس، فإن التحويلة التطورية الثانية تكسر أي أمل في ترميم هذا الانسجام من خارجها. فالذكاء الاصطناعي، في هذا الإطار، ليس “تهديدًا أخلاقيًا” بالمعنى السطحي، ولكنه تجسيدٌ تقنيٌّ مكتمل لمنطق الشجرة: معرفة بلا التزام وقوة بلا مجاهدة وقرار بلا نفس. ومن هنا تبدأ المرحلة الأخطر في التاريخ الميتابايولوجي للإنسان.

أضف تعليق