
لا يمكن فهم قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ فهمًا فلسفيًا عميقًا ما لم يُقرأ بوصفه أثرًا لاحقاً لانكسارٍ بنيويٍّ سابق، لا بوصفه توصيفًا أخلاقيًا معزولًا أو ملاحظةً نفسية ظرفية. فهذا الشح الذي “أُحضِرَ” إلى النفس ليس وليد النزاع، ولا نتيجة التجربة الاجتماعية، بل هو امتداد مباشر للحظة الشجرة؛ اللحظة التي شهدت التحول الجذري في بنية الوعي الإنساني.
وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، لا تُفهم واقعة الأكل من الشجرة بوصفها مجرّد مخالفةٍ لأمرٍ إلهي، بل بوصفها لحظة انكسار في البنية الإدراكية، أي انتقال من وعيٍ مندمج مع القيم إلى وعيٍ يرى القيم من الخارج ويقيسها بمنطق المنفعة والخسارة. بهذه اللحظة، لم يفقد الإنسان البراءة الأخلاقية فحسب، بل فقد الانسجام البنيوي بين ما يدركه بوصفه خيرًا وما تميل إليه نفسه بوصفه مصلحة. ومن هذه الزاوية، يصبح الشح أول تعبير نفسي مستقر عن هذا الانكسار.
فالشح ليس حبّ التملك المادي، بل هو انكماش الوعي حول الذات بوصفها مركز القيمة. فبعد الشجرة، لم تعد النفس ترى الخير بوصفه معطىً كونيًا يُحتضن، بل بوصفه تهديدًا محتملًا للمجال الذاتي وتنازلًا غير مضمون العائد ومخاطرةً وجودية مغلّفة بالأخلاق. ولهذا جاء التعبير القرآني دقيقًا: ﴿أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، أي أن الشح لم يُكتسب لاحقًا، بل صار حاضرًا في بنية النفس، جاهزًا للتفعيل عند كل لحظة اختبار قيمي.
إن التتابع بين “الصلح خير” و”وأحضرت الأنفس الشح”، ليس تتابعًا بلاغيًا للتخفيف أو التوازن، بل هو تتابع كاشف عن المفارقة البنيوية التي وُلدت مع الإنسان ما بعد الشجرة: فالخير يُدرَك إدراكيًا لكن النفس لا تتحرّك نحوه تلقائيًا لأن بنيتها لم تعد منسجمة مع القيم التي تعيها. وهنا يتجلّى جوهر الخلل البنيوي؛ فالوعي يرى ما لا تستطيع النفس احتماله دون مقاومة. وفي هذا السياق، لا يُقدَّم الصلح في القرآن بوصفه عودةً طبيعية إلى الفطرة، بل بوصفه فعلًا مضادًا للطبيعة النفسية ما بعد الشجرة، فهو تعطيل مؤقت لمنطق الشح ولآلية التمركز حول الذات وكسر لحسابات الربح والخسارة التي فرضها الخلل البنيوي. وبذلك، يصبح الصلح ممارسة ترميمية، لا استجابة غريزية، ومحاولة لتجاوز آثار الشجرة، لا عودة كاملة إلى ما قبلها.
فختام الآية الكريمة ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ لا يأتي كحلٍ أخلاقيٍ بسيطٍ، بل يأتي كإشارة إلى أن تجاوز الشح لا يتم بالعقل وحده ولا بالمنفعة المتبادلة، بل بترقية الوعي إلى مستوى يرى نفسه تحت نظرٍ أعلى من الذات؛ أي بإعادة إدخال البعد الغيبي في القرار الإنساني، تعويضًا عن الانكسار الذي أحدثته الشجرة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن القرآن يرسم خريطة دقيقة للخلل البنيوي في النفس الإنسانية، وذلك من الشجرة إلى الشح، ومن الشح إلى صعوبة الصلح. إن الخير لم يُفقَد لكن القابلية له تضرّرت والفعل الأخلاقي صار يحتاج مقاومة داخلية لا انسجامًا فطريًا. وهكذا، لا تكون ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ وصفًا للنفس، بل شهادة على ما بقي في الإنسان من أثر الشجرة.
