
إذا كان القرآنُ قد نسب إلى الله تعالى كرسيًا وعرشًا، فإن ذلك لا يمكن أن يُفهم بوصفه ازدواجًا في الرمز، ولا تنويعًا بلاغيًا على معنى واحد، بل بوصفه تفريقًا أنطولوجيًا مقصودًا بين مستويين مختلفين من العلاقة بين الله والعالَم.
فالكرسي، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، لا يُقدَّم بوصفه موضعَ استواء، ولا مقامَ حكمٍ مباشر، بل بوصفه إطارَ الاحتواء الذي تنتظم داخله السمواتُ والأرض، أي عالَم الوجود المشروط، حيث الأشياء لا تكون إلا متواجدة: متعينة، متكاثرة، مرتبطة بغيرها، خاضعة لمنطق السببية والتدرّج والزمن. أما العرش، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، فلا يُنسَب إلى السموات والأرض، ولا يُوصَف بالاحتواء، بل يُقدَّم بوصفه مقام السيادة المطلقة، أي المستوى الذي لا تُدار فيه الأشياء عبر أسبابٍ ولا تُضبط بقوانين، بل تصدر فيه الإرادة الإلهية مباشرةً على صورة الأمر: كن فيكون. .وهنا يتبدّى الفرق الجوهري بين التواجد والوجود.
فالتواجد هو نمط الكينونة الممكنة؛ حيث يكون الشيء ضمن شبكة من الأشياء، داخل نظامٍ من العلاقات، خاضعًا لمحددات الزمان والمكان والسبب. بهذا المعنى، لا تتواجد الأشياء إلا مع غيرها ولا تستقل بذاتها ولا تملك مبدأها في ذاتها.
أما الوجود، بالمعنى الدقيق، فلا يتحقق إلا حيث ينتفي الاشتراك وينعدم الاحتواء وتسقط الحاجة إلى الوسط أو السبب. ولذلك لا يوصف به على الحقيقة إلا الله تعالى، لا بوصفه “موجودًا مثل غيره”، بل بوصفه الوجود الذي به يتواجد كل ما سواه.
ومن هنا يُفهَم قول أهل المعرفة: لا موجود إلا الله، لا على معنى نفي الكثرة الحسية، بل على معنى أن كل ما سواه لا يقوم بذاته قيامًا وجوديًا، وإنما يقوم قيامَ التواجد المشروط. وعلى هذا الأساس، لا يكون الكرسي هو العرش، ولا يكون العرش داخل عالم الكرسي. فالكرسي هو عالم الأسباب، حيث الفعل الإلهي متجلٍّ عبر السنن. والعرش هو ما قبل الأسباب وما بعدها، حيث لا سنن ولا تدرّج ولا وسائط. إن خروج العرش عن السموات والأرض ليس خروجًا مكانيًا أو حدّيًا، بل هو خروجٌ أنطولوجي عن نظام الاحتواء نفسه. فالسموات والأرض يمكن أن تُوسَع، أما العرش فلا يُوسَع ولا يُحاط، لأنه ليس موضوعًا داخل العالَم، بل هو مستوى الحكم الذي به يكون العالَم عالمًا.
ومن هنا تُفهم دلالة التكرار القرآني: فذِكر العرش يتكرر لأنه يشير إلى مقام الوجود الإلهي المتعالي، أما الكرسي فلا يُذكر إلا مرة واحدة، لأنه يشير إلى نظام التواجد الكوني الذي يُفترض لا يُنازع. وبذلك، لا يعود الفرق بين العرش والكرسي فرقَ تسمية، بل فرقَ مستويين من الوجود:
• مستوى تُدار فيه الأشياء بالقوانين
• ومستوى تصدر فيه القوانين ذاتها.
