
يتوهم العلمانيون أنَّ العلمانيةَ قد جاءت بما لم تأتِ به الأديانُ! وهذا ظنٌّ يُنبئُ عن جهلٍ عظيم. صحيحٌ أنَّ معظمَ الأديان، كما عرَّفت عن نفسِها بكتبِها وممارساتِ متَّبعيها، لم يرد فيها ما جاءتنا به العلمانية من دعوةٍ إلى نبذِ التفرقةِ بين البشر على أساسٍ من عرقِهم أو لونِهم أو تمايزِهم الجنسي ذكوراً وإناثاً، أو عن طبقتهم الاجتماعية، إلا أنَّ هذا لا يصحُّ على الدوام. فلو تدبَّرنا القرآن لوجدنا أن ليس فيه ما يُستشَفُّ منه أنَّ اللهَ تعالى ينظرُ إلى الناسِ نظرةً يتمايزون بها عنده في الجنسِ أو العِرقِ أو اللون أو المستوى الاجتماعي. فالقرآنُ حافلٌ بآياتٍ عديدة كلها تؤكد أنَّ الناسَ عند اللهِ تعالى سواء، وإن اختلفوا فيما بينهم وتمايزَ بعضُهم عن بعضٍ جنساً ولوناً وعِرقاً وغِنىً وفقراً. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على ما يؤكد انتفاءَ عائديةِ هذا القرآن لأصلٍ بشري، ويبرهن على أنه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله:
• (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13 الحجرات).
• (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (من 195 آل عمران).
• (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124 النساء).
فنحن لا نحتاجُ إذاً من العلمانيةِ إلا ما يُرينا ما للقرآنِ من “تفوقٍ معرفي” بهذا السبق الزمني الذي قدَّمَ لنا جوهرَ العلمانية وحجبَ عنا غثَّها وزخرفَها. فلا حاجةَ لنا، أما وأنَّ القرآنَ بين أيدينا، إلى علمانيةٍ تساوي بين الحقِّ والباطل وتدعو إلى الوهمِ كما تدعو إلى الحقيقة! فليس كلُّ ما جاءتنا به العلمانيةُ صواباً ينبغي الأخذُ به، وذلك طالما كان كثيرٌ مما جاءتنا به هو لا أكثر من محاولاتٍ لاسترضاءِ جمهورٍ حانقٍ على السردياتِ الدينية كلِّها جميعاً من دون تفرقةٍ بينها، ومادام يرى روادُها وصناعُ رسالتِها المعرفية في كلِّ سرديةٍ دينية مشروعاً للتمردِ على السلطةِ المعرفية التي، في نظرِهم، لابد من الثورةِ عليها حتى يتحققَ للإنسانِ قدرُه التطوري!
