
إن فرضية “التدخل البشري” في نهاية حياة مس بيل ولورنس العرب ليست ضرباً من الخيال، بل هي تكرار لنمط (Pattern) نراه بوضوح في تاريخ القوى الكبرى، حيث يتم تحويل الاغتيال السياسي إلى “واقعة قدرية” لتجنب التبعات القانونية والأخلاقية. وفيما يلي بعضٌ من الأمثلة الواقعية على ذلك:
1. داغ همرشولد (1961): سقوط الطائرة “المصادفة”
لسنوات طويلة، أصرت الرواية الرسمية على أن سقوط طائرة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، داغ همرشولد، في روديسيا (زامبيا حالياً) كان نتيجة خطأ بشري من الطيار. فلقد كشفت تحقيقات استقصائية لاحقة، وشهادات من مرتزقة طيارين، أن الطائرة تم إسقاطها عمداً لأن همرشولد كان يدعم استقلال الكونغو ويعارض مصالح شركات التعدين الكبرى المدعومة من استخبارات غربية. إنها “النهاية المفاجئة” لرجل أصبح صوته أعلى من مصالح الإمبراطوريات.
2. إنريكو ماتي (1962): حادث جوي أم “رسالة” نفطية؟
إنريكو ماتي، مؤسس شركة الطاقة الإيطالي(ENI)، توفي في تحطم طائرته الخاصة. قُيد الحادث في البداية ضد مجهول كحادث طيران ناتج عن سوء الأحوال الجوية. فماتي كان يمثل تهديداً مباشراً لـ “الأخوات السبع” (شركات النفط الكبرى) بسبب سياسته في منح الدول المنتجة للنفط (مثل إيران ومصر وليبيا) حصة أكبر من الأرباح. بعد عقود، أعيد فتح التحقيق ليتبين وجود آثار متفجرات في حطام الطائرة، مما أكد فرضية الاغتيال التي ألبست ثوب الحادث.
3. باتريس لومومبا (1961): الاختفاء والحلول الكيميائية
رغم أن لومومبا قُتل رمياً بالرصاص، إلا أن “الرواية الرسمية” الأولى حاولت تصوير الأمر كهروب من السجن أو تصفية على يد قبائل محلية. ولقد أثبتت الوثائق البلجيكية والأمريكية التي رُفعت عنها السرية لاحقاً وجود خطة مفصلة للاغتيال، بل وإذابة الجثة في الحمض لإخفاء أي أثر مادي للجريمة. هذا النمط من “التصفية المادية والمعنوية” هو ما يثير الريبة في حالات الوفاة التي تتبعها إجراءات دفن سريعة أو تعتيم على التقارير الطبية.
إن ما يجمع بين مس بيل ولورنس العرب وهذه الحوادث الدولية هو مفهوم “تجاوز الصلاحيات المعرفية” . ففي عالم المخابرات يصبح الشخص الذي يعرف “أكثر مما ينبغي” ويملك “تأثيراً أخلاقياً” على الأرض (كما كانت مس بيل مع القبائل العراقية ولورنس العربية مع الثورة العربية) قنبلة موقوتة بمجرد أن تتغير السياسة العليا للدولة. ففي حالة مس بيل، التي كانت بمثابة “الأرشيف الحي” للوعود البريطانية، فإن موتها بجرعة دواء في ليلة هادئة هو الحل الأمثل لإغلاق ملف “العراق القديم” وبدء مرحلة المصالح النفطية الصرفة دون مضايقات من شخصية تملك “وازعاً ضميرياً” تجاه العرب. أما في حالة لورنس العرب، فإنه كان يمثل “البطل المتمرد” الذي يمكنه في أي لحظة أن يقود تياراً معارضاً داخل بريطانيا ضد السياسات الاستعمارية في الشرق. فـ”حادث الدراجة” أزاح هذا التهديد دون تحويله إلى شهيد سياسي.
إن التشكيك في الرواية الرسمية لوفاة مس بيل ولورنس العرب ليس مجرد بحث عن “مؤامرة”، بل هو قراءة في فلسفة البقاء الإمبراطوري التي تقتضي التخلص من الشهود على “لحظات التأسيس” عندما يحين وقت “جني الأرباح”.
