
إن إعادة فتح ملفات وفاة جيرترود بيل وتي. إي. لورنس ليست مجرد رغبة في استثارة “نظرية المؤامرة”، بل هي ضرورة معرفية لإعادة قراءة تاريخ المنطقة من منظور “تصفية الاستعمار فكرياً” . فالتاريخ الذي كتبه الموظفون البريطانيون في تقاريرهم الرسمية لا يمكن أن يكون هو ذاته التاريخ الذي يفسر غياب الشخصيات الأكثر إحراجاً لتلك الإمبراطورية في لحظات تحولها الكبرى.
إن “الصدف” المتكررة التي شهدتها نهاية حياة هاتين الشخصيتين الجدليتين تفرض علينا التعامل مع الأرشيف البريطاني ليس كـ “حقائق مُنزَّلة”، بل كـ “خطاب سلطوي” مصمم بعناية. فوجود وثائق لا تزال تخضع لـ “قوانين السرية” (D-Notices) بعد مرور قرن من الزمان، هو في حد ذاته دليل مادي على أن هناك ما يجب إخفاؤه. فالحقيقة التاريخية لا تموت بالتقادم، بل تظل حية في الفجوات التي تركتها الروايات الرسمية، وفي التناقضات بين شهادات الشهود الصامتين وبين التقارير الطبية المسيسة. فالمهمة اليوم تكمن في الانتقال من مرحلة “التساؤل” إلى مرحلة “الارتقاء باليقين التاريخي”، عبر ربط هذه النهايات بمسارات السياسة الإمبراطورية في العراق والمشرق.
لقد كان رحيل مس بيل ولورنس العرب بمثابة “تنظيف للمسرح” قبل بدء فصل جديد من الهيمنة التي لا تقبل وجود “شهود عيان” يملكون شجاعة الاعتراض أو معرفة الحقائق الكاملة خلف رسم الحدود وتوزيع الحصص النفطية.
وفي نهاية المطاف، يبقى لورنس العرب ومس بيل ضحيتين محتملتين لذات الآلة التي صنعتهما. فالإمبراطوريات، مثل الثورات، قد تأكل أبناءها عندما تبدأ أصواتهم بالنشوز عن “السمفونية الرسمية”.
