
لا تُقرأ قصة آدم في القرآن، في هذه المقالة، بوصفها رواية أخلاقية محضة، ولا كواقعة تاريخية معزولة، بل بوصفها حدثًا أنطولوجيًا تأسيسيًا غيّر نمط كينونة الإنسان داخل العالم.
فالإنسان، وفق هذه القراءة، لم يهبط جغرافيًا فقط، بل أُدرِج إدراجًا كاملًا في نظام سببي–تاريخي لم يكن يعيش داخله على النحو نفسه قبل لحظة الشجرة. ولفهم هذا الانتقال، تقترح هذه المقالة إطارًا مفهوميًا مستمدًا من التمييز القرآني بين العرش والكرسي، لا بوصفهما رمزين مترادفين، بل مستويين مختلفين من انتظام الواقع. ويُعاد بناء التحويلة التطورية الأولى في المشروع الميتابايولوجي على هذا الأساس: تحويلة من علاقة قريبة بالفعل الإلهي المباشر، إلى علاقة وسيطة تمر عبر السنن والندرة والزمن والصراع والعمل والمعرفة التراكمية.
إن التمييز بين العرش والكرسي يقترح مستويين من الواقع:
• مستوى تصدر فيه القوانين
• ومستوى تُدار فيه الموجودات عبر القوانين
فالكرسي يُقدَّم قرآنيًا بوصفه ما يسع السموات والأرض، أي إطار الاحتواء الذي تنتظم داخله الموجودات الممكنة في شبكة من الأسباب والعلاقات والتدرج الزمني. أما العرش، فيُقدَّم بوصفه مقام السيادة المطلقة، حيث لا تعمل الأشياء عبر قوانين، بل تصدر القوانين ذاتها عن الإرادة الإلهية. وبهذا المعنى، فإن عالم الكرسي هو عالم السنن وعالم العرش هو ما قبل السنن وما بعدها. ولا يُفهم “الخارج” هنا على نحو مكاني، بل على نحو أنطولوجي: خروج عن نظام الاحتواء السببي نفسه. ومن داخل هذا التمييز يتولّد الفرق بين:
• التواجد: كينونة مشروطة، علائقية، تاريخية.
• الوجود: كينونة غير مشروطة، مبدأ لا يُحتوى.
وبهذا المعنى، فالإنسان، بوصفه مخلوقًا، لا يبلغ الوجود، لكنه كان قبل الشجرة في وضعٍ أقرب إلى انتظام العرش من حيث نمط الرعاية المباشرة، لا من حيث المقام أو الجوهر. أما الشجرة في هذا التصور تمثل نقطة إدخال الإنسان إدخالًا كاملًا في عالم الكرسي. فالهبوط لا يُقرأ بوصفه انتقالًا مكانيًا فقط، بل كتحول في بنية العيش: فمن تلقّي الرزق إلى السعي في طلبه ومن استقرار الوجود إلى مخاطرة التاريخ ومن القرب من التدبير الإلهي إلى توسط السنن. ومنذ تلك اللحظة، صار الإنسان كائنًا: يكدّ – يتنافس – يخطئ – يتعلّم – يراكم – يحسب – يخاف – يخطط. وكل هذه سمات كينونة متواجدة داخل نظام محدود الموارد، ممتد عبر زمان محدود معدود مأجول بأجل مسمى. وبذلك تُعرَّف التحويلة الميتابايولوجية الأولى بأنها إدخال الإنسان في نمط وجودي سببي كامل بعد أن كان يعيش في أفق علاقة أقرب إلى المباشرة الإلهية. ومن هنا ينشأ الخلل البنيوي: كائن بقدرات إدراكية متضخمة أُقحم في عالم ندرة مفتوح، بلا غطاء فطري يضمن الاستقرار الطويل.
ضمن هذا الإطار، لا يُقرأ القلق والرعب والجشع والهيمنة، بوصفها انحرافات أخلاقية فقط، بل بوصفها نتائج عصبية تطورية لصدمة الإدراج في عالم الكرسي. فالدماغ البشري يحمل منظومات خوف بدائية ودوائر مكافأة قصيرة المدى وحساسية مفرطة للمخاطر وقدرة تخيّل مستقبلية واسعة، وفي عالم ندرة وتنافس تاريخي، تتحول هذه الخصائص إلى تضخيم للتهديد وقلق مزمن وهوس بالسيطرة وتراكم مرضي وعنف وقائي استباقي. وهذه ليست مجرد خطايا فردية، بل اختلالات بنيوية ناتجة عن فجوة بين البنية العصبية وشروط الوجود التاريخي الطويل. وهنا تُعرَّف “الهشاشة البشرية” وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية بوصفها: أثرًا ميتابايولوجيًا لتحويلة أنطولوجية سابقة. وحين تُسقَط هذه البنية على الاجتماع البشري، يظهر التاريخ لا كسلسلة مصادفات، بل كاشتغال دائم داخل الندرة والسباق والأمن والهيمنة والتقنية والتنظيم السياسي.
إن الدولة والاقتصاد والحرب والإمبراطوريات والسوق والقانون، كلها تقنيات تكيّف داخل عالم الأسباب. وبهذا المعنى، فإن الحضارة ليست خروجًا من عالم الكرسي، بل محاولة دائمة للتملص من أسبابه التي تَحولُ دون مزيد من الثورة والتمرد على قوانينه، لكن كلما ازداد التعقيد الحضاري، تضخّمت هشاشة النظام العصبي الجمعي. فالقلق الحضاري والرعب النووي والهوس الاستهلاكي وسباق التسلح واستعمار الموارد، هي أعراض فصل “الرعب البشري” الذي تبنيه.
وعلى ضوء ما تقدم، فإن الذكاء الاصطناعي لا يُقرأ كأداة تقنية محايدة، بل بوصفه: المرحلة القصوى لمحاولة الإنسان السيطرة على عالم الأسباب عبر محاكاته رياضيًا.
فالخوارزميات والتنبؤ والنمذجة والتحكم بالسلوك والأسواق الآلية والحروب السيبرانية، كلها تعبيرات عن عقلٍ يريد تحويل عالم الكرسي إلى نظام قابل للإحاطة الكاملة. لكن المفارقة الميتابايولوجية هي أن كل توسّع في السيطرة التقنية يزيدُ من اعتماد الإنسان على منظومات خارجة عن إدراكه ويضاعف هشاشته الوجودية. وهكذا تمهّد التحويلة التطورية الأولى للتحويلة التطورية الثانية؛ فالأولى قامت بإدخال الإنسان في عالم الأسباب، أما الثانية فإنها تسعى لتسليم إدارة هذا العالم إلى أنظمة غير واعية، وذلك عبر الانتقال من كائن متواجد داخل النظام إلى كائن تُعاد هندسة شروط تواجده بواسطة الخوارزميات (الذكاء الاصطناعي).
