
لا يمكن فهم ولع الإنسان برؤية الوجوه في الصخور (البارادوليا) أو مطاردته لكائنات أسطورية لم يثبت وجودها علمياً (الكريبتوزولوجيا) بمعزل عن تكوينه السيكولوجي الهش. إننا لا ننظر إلى العالم بأعيننا فحسب، بل بمخاوفنا، وتوقنا الموغل في القدم للعثور على “معنى” في وسط “فوضى العشوائية”.
تُعرف “البارادوليا” (Pareidolia) علمياً بأنها ميل العقل البشري لفرض أنماط مألوفة (مثل الوجوه) على محفزات عشوائية. لكن من منظور “الهشاشة الإنسانية”، هي ليست مجرد “خطأ برمجي” في العقل، بل هي محاولة من الكائن البشري لكسر حدة الوحدة الكونية. ولكن لماذا نرى في الصخر وجوهاً؟ لأن الوجه هو أول وسيلة تواصل عرفناها (وجه الأم). في لحظات ضعفنا وهشاشتنا أمام صمت الطبيعة، يبحث “لا وعينا” عن “الآخر” حتى في تضاريس المريخ أو شقوق الجدران، هرباً من فكرة أننا وحيدون في عالم مادي صامت لا يبالي بوجودنا.
أما في “الكريبتوزولوجيا” (Cryptozoology)، حيث يتم البحث عن كائنات مثل “الرجل الثلجي” أو “وحش لوخ نيس”، يتجلى بوضوح كيف يحول الإنسان خياله إلى حقيقة يستميت في الدفاع عنها. إن هذا التشبث ليس جهلاً بالضرورة، بل هو نتاج هشاشة الإنسان أمام “تفسير العلم لكل شيء”. لقد سلبنا العلم الحديث “دهشة المجهول”، فأصبحت الكريبتوزولوجيا ملجأً لمن لا يطيقون العيش في عالم “مفسَّر بالكامل”. إننا نخلق الوحوش لأن وجود وحش في الغابة أقل رعباً من وجود “فراغ” أو عدمية مطلقة.
ولكن لماذا جعلت منا هذه الهشاشة نتوهم الخيال حقيقة؟ الجواب يكمن في أن الحقيقة المجردة غالباً ما تكون باردة وقاسية. فـ “الإنسان كائن هش لا يحتمل الكثير من الواقع”، كما قد يُستشف من المقولة الشهيرة لـ تي. إس. إليوت. فعندما تعجز عقولنا عن تحمل عشوائية الأحداث أو قسوة الطبيعة، نلجأ إلى صياغة “حقائق موازية”. هنا، يصبح الوهم (الخيال) وسيلة للبقاء؛ فأن تصدق بوجود “سر” أو “كائن خفي” يمنحك شعوراً بالأهمية والمشاركة في كشف لغز كوني، وهو ما يرمم شعور الهشاشة والضآلة أمام اتساع الوجود.
فبدلاً من السخرية من أولئك الذين يؤمنون بهذه الظواهر، علينا تبني مقاربة “سيكو-فلسفية” ترى في هذه الظواهر أعراضاً لروح بشرية تحاول حماية نفسها. إن دعوة الناس للتخلي عن هذه الأوهام يجب أن تمر عبر فهم حاجتهم النفسية للأمان والمعنى، لا عبر الاكتفاء بالهجوم العلمي الجاف. فالاعتراف بـ “هشاشتنا” هو الخطوة الأولى نحو وعي أعمق، حيث نتعلم أن نرى العالم كما هو، مع “تَفهُّمنا” لتلك القوة الخيالية التي حاولنا من خلالها، ولآلاف السنين، أن نجعل من الوحشة أنساً، ومن الصمت صوتاً.

لا يمكن فهم ولع الإنسان برؤية الوجوه في الصخور (البارادوليا) أو مطاردته لكائنات أسطورية لم يثبت وجودها علمياً (الكريبتوزولوجيا) بمعزل عن تكوينه السيكولوجي الهش. إننا لا ننظر إلى العالم بأعيننا فحسب، بل بمخاوفنا، وتوقنا الموغل في القدم للعثور على “معنى” في وسط “فوضى العشوائية”.
تُعرف “البارادوليا” (Pareidolia) علمياً بأنها ميل العقل البشري لفرض أنماط مألوفة (مثل الوجوه) على محفزات عشوائية. لكن من منظور “الهشاشة الإنسانية”، هي ليست مجرد “خطأ برمجي” في العقل، بل هي محاولة من الكائن البشري لكسر حدة الوحدة الكونية. ولكن لماذا نرى في الصخر وجوهاً؟ لأن الوجه هو أول وسيلة تواصل عرفناها (وجه الأم). في لحظات ضعفنا وهشاشتنا أمام صمت الطبيعة، يبحث “لا وعينا” عن “الآخر” حتى في تضاريس المريخ أو شقوق الجدران، هرباً من فكرة أننا وحيدون في عالم مادي صامت لا يبالي بوجودنا.
أما في “الكريبتوزولوجيا” (Cryptozoology)، حيث يتم البحث عن كائنات مثل “الرجل الثلجي” أو “وحش لوخ نيس”، يتجلى بوضوح كيف يحول الإنسان خياله إلى حقيقة يستميت في الدفاع عنها. إن هذا التشبث ليس جهلاً بالضرورة، بل هو نتاج هشاشة الإنسان أمام “تفسير العلم لكل شيء”. لقد سلبنا العلم الحديث “دهشة المجهول”، فأصبحت الكريبتوزولوجيا ملجأً لمن لا يطيقون العيش في عالم “مفسَّر بالكامل”. إننا نخلق الوحوش لأن وجود وحش في الغابة أقل رعباً من وجود “فراغ” أو عدمية مطلقة.
ولكن لماذا جعلت منا هذه الهشاشة نتوهم الخيال حقيقة؟ الجواب يكمن في أن الحقيقة المجردة غالباً ما تكون باردة وقاسية. فـ “الإنسان كائن هش لا يحتمل الكثير من الواقع”، كما قد يُستشف من المقولة الشهيرة لـ تي. إس. إليوت. فعندما تعجز عقولنا عن تحمل عشوائية الأحداث أو قسوة الطبيعة، نلجأ إلى صياغة “حقائق موازية”. هنا، يصبح الوهم (الخيال) وسيلة للبقاء؛ فأن تصدق بوجود “سر” أو “كائن خفي” يمنحك شعوراً بالأهمية والمشاركة في كشف لغز كوني، وهو ما يرمم شعور الهشاشة والضآلة أمام اتساع الوجود.
فبدلاً من السخرية من أولئك الذين يؤمنون بهذه الظواهر، علينا تبني مقاربة “سيكو-فلسفية” ترى في هذه الظواهر أعراضاً لروح بشرية تحاول حماية نفسها. إن دعوة الناس للتخلي عن هذه الأوهام يجب أن تمر عبر فهم حاجتهم النفسية للأمان والمعنى، لا عبر الاكتفاء بالهجوم العلمي الجاف. فالاعتراف بـ “هشاشتنا” هو الخطوة الأولى نحو وعي أعمق، حيث نتعلم أن نرى العالم كما هو، مع “تَفهُّمنا” لتلك القوة الخيالية التي حاولنا من خلالها، ولآلاف السنين، أن نجعل من الوحشة أنساً، ومن الصمت صوتاً.
