
تشير مؤشرات متعددة في المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية إلى أن المنظومة الغربية تمرّ بمرحلة تراجع هيكلي يتجاوز حدود الأزمات الدورية المعتادة. فبدل أن تكون الاختلالات الراهنة جزءًا من دورة تصحيح داخلية، يبدو أن الغرب قد تجاوز بالفعل ما يمكن توصيفه بـ “مرحلة الإصلاح الذاتي المؤسسي”؛ أي تلك اللحظة التي تستطيع فيها النخب إعادة توجيه المسار دون المساس بالبنية العميقة للنظام. يستند هذا التقدير إلى عامل مركزي يتمثل في تراكم قرارات استراتيجية طويلة الأمد أدّت إلى تضييق هامش المناورة أمام القيادات اللاحقة. فالنظم السياسية والاقتصادية في أوروبا الغربية، على وجه الخصوص، باتت تعمل داخل شبكة التزامات أمنية وطاقوية ومالية تجعل أي انحراف جوهري عن المسار القائم عالي الكلفة سياسيًا واجتماعيًا، وربما غير قابل للتنفيذ عمليًا.
ضمن هذا الإطار، يبرز عامل الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة بوصفه أحد أهم محددات الواقع الأوروبي المعاصر. فقد أفضت ترتيبات ما بعد الحرب الباردة، ثم التطورات المتسارعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إلى تعميق هذا الاعتماد في مجالات الدفاع والطاقة وسلاسل الإمداد الحيوية. ومع التحوّل في القيادة الأمريكية خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، وما رافقه من إعادة تعريف صريحة لأولويات واشنطن، وجدت أوروبا نفسها في موقع المتلقّي للقرارات أكثر منها شريكًا في صياغتها.
ويُنظر إلى إعادة توجيه منظومة الطاقة الأوروبية بعيدًا عن المصادر الروسية، تحت عنوان ممارسة الضغط الاستراتيجي على موسكو، على أنها مثال عملي على هذا الخلل في التوازن. فبينما حقق هذا التحول أهدافًا سياسية قصيرة المدى، فقد أسهم في الوقت ذاته في زيادة الكلفة الصناعية وتعميق هشاشة الاقتصادات الأوروبية وتقليص هامش الاستقلال في اتخاذ القرار الاقتصادي طويل الأمد.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال حول قدرة الغرب على وقف مسار التراجع الحضاري مرهونًا بمدى امتلاكه أدوات فعلية لإعادة بناء ثلاثة عناصر أساسية:
1. الاستقلال الاستراتيجي في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.
2. إعادة هيكلة العلاقة عبر الأطلسي على أساس تكافؤ المصالح لا التبعية الوظيفية.
3. تجديد النخب السياسية والمؤسساتية بطريقة تسمح باتخاذ قرارات غير شعبوية عالية الكلفة قصيرة الأجل.
غير أن التقييم الواقعي يشير إلى أن تحقيق هذه التحولات يتطلب تفكيك ترتيبات قانونية واقتصادية وأمنية ترسّخت على مدى عقود، ما يجعل احتمالات تنفيذها خلال الأفق الزمني المنظور محدودة. فالبنية الحالية للاتحاد الأوروبي والانقسامات الداخلية بين دوله والاعتماد الأمني العميق على المظلّة الأمريكية، كلها عوامل تقلّص قدرة أي قيادة مستقبلية على إحداث انعطاف استراتيجي حاسم.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا، وفي غياب صدمة خارجية كبرى تعيد فرض إعادة تموضع قسرية، يتمثل في استمرار المسار الانحداري البطيء: تآكل تدريجي في الوزن الصناعي وتضاؤل النفوذ الجيوسياسي وتزايد الفجوة بين الخطاب القيمي المعلن والقدرة الفعلية على فرضه في النظام الدولي. ومن هذا المنظور، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الغرب يستطيع نظريًا تفادي الانهيار، بل ما إذا كانت بنيته المؤسسية الحالية تسمح أصلًا بتبنّي القرارات الجذرية التي يتطلبها ذلك.
