من الوهم الإدراكي إلى الأسطرة البايولوجية… مقاربة ميتابايولوجية جديدة للباريدوليا والكريبتوزولوجيا

اعتاد علم النفس المعاصر أن يفسّر ظاهرة الباريدوليا (Pareidolia): رؤية الوجوه في الغيوم أو الصخور أو الظلال، بوصفها أثرًا جانبيًا لآليات التعرف العصبي السريع. كما عالجت الأوساط العلمية الكريبتوزولوجيا (Cryptozoology): البحث عن مخلوقات غير مثبتة مثل البيغ فوت أو وحش لوخ نِس، باعتبارها انحرافًا ثقافيًا أو ضربًا من الهوس الشعبي.
غير أنّ هاتين الظاهرتين، حين تُقرأان في إطار ميتابايولوجي، تكشفان عن أمر أعمق بكثير: خلل بنيوي في نمط الإدراك البشري نشأ بعد التحويلة التطورية الأولى، اللحظة التي خرج فيها الإنسان من التوازن الغريزي الحيواني إلى وعي رمزي قادر على إنتاج المعنى والهلوسة الدلالية في آنٍ واحد.
فالإدراك في الحيوان محكوم بالاقتصاد التطوري؛ حيث أنه يرى ما يحتاجه للبقاء، لا أكثر. أما لدى الإنسان، فيرى ما ليس موجودًا. وهذا الفائض الإدراكي لا يُفسَّر ميتابايولوجيًا على أنه ميزة محضة، بل نتيجة اختلال في آلية الفرز بين الإشارة والضجيج والواقع والافتراض والتهديد الحقيقي والتمثّل الخيالي. فالدماغ البشري، بعد التحويلة التطورية الأولى، لم يعد جهاز استجابة فقط، بل صار “مولِّد نماذج”. يستبق الواقع بتأويله. يملأ الفراغ قبل أن يتأكد من وجود شيء فيه. وهنا تصبح الباريدوليا ليس مجرد خداع بصري، بل أثرًا من آثار انفصال الإدراك عن مرجعيته البايولوجية المباشرة.
وفق المنظور الميتابايولوجي، انتقل الإنسان من دماغ يقرأ البيئة إلى دماغ يفرض سرديات عليها. وهذه النقلة أحدثت تضخمًا في القدرة الرمزية وتمددًا في الخيال السببي ونزوعًا لتشخيص الطبيعة وتحويل المصادفة إلى قصد والشكل إلى كيان. وهنا نصل إلى الجسر الطبيعي نحو الكريبتوزوولوجيا.

إذا كانت الباريدوليا هي رؤية وجه في الصخر، فإن الكريبتوزوولوجيا هي بناء كائن كامل فوق ذلك الوجه. فهي المرحلة التي لا يكتفي فيها العقل بالإدراك الخاطئ، بل يؤطره سرديًا ويكرره ثقافيًا ويدافع عنه جماعيًا ويؤسس له أرشيفًا وينتج حوله مجتمعات تصديق. من منظور ميتابايولوجي، هذا لا يمثل مجرد سذاجة معرفية، بل إعادة تشغيل لمنطق الأسطرة القديم داخل عقل حديث. فالعقل، وإن كان قد خرج من الغابة فإنه لم يخرج تمامًا من بنيته الإدراكية المختلّة.
فوفقاً للميتابايولوجيا، فإن التحويلة التطورية الأولى، المقترنة بلحظة آدم/الشجرة، تمثل انتقال الإنسان من كائن يعيش داخل نظام سببي مباشر إلى كائن يعيش داخل تمثيلات عن النظام. ومنذ تلك اللحظة صار الإنسان يرى عبر نماذج لا عبر الواقع مباشرة وصار الاحتمال يُعامل كواقعة وصار الخوف يُضخَّم وصار الغموض يُسكَن بالأسطورة. الباريدوليا والكريبتوزوولوجيا إذن ليستا انحرافين حديثين، بل ارتدادات مستمرة لذلك الشرخ الأول في الإدراك.
إن المقاربة الميتابايولوجية ترى في هذه الظواهر جذورًا مشتركة مع نظريات المؤامرة ورؤية الأنماط الوهمية وإسقاط النوايا على الأنظمة وتأليه التكنولوجيا والخوف المرضي من الآخر وقراءة المصادفة كخطة. وكلها تنبع من العقل ذاته الذي يكره الفراغ المعرفي فيملؤه حتى لو اخترع ما يملؤه.
ومن هذا المنظور بدل أن نسأل: هل ما رآه هؤلاء حقيقي؟
تقترح الميتابايولوجيا سؤالًا أعمق: ما الذي في بنية الإنسان يجعله مستعدًا لأن يرى ما ليس موجودًا ثم يقاتل دفاعًا عنه؟ وهنا تتحول الباريدوليا والكريبتوزوولوجيا من فضوليات علمية إلى مفاتيح تشخيص حضاري.
في النهاية، لا تكشف هذه الظواهر عن غرابة العالم، بل عن غرابة الإنسان. فالإنسان الذي خرج على الطبيعة، لكنه حمل داخل دماغه آثار خلله التطوري صار يرى أكثر مما ينبغي ويفترض أسرع مما يتحقق ويبني أساطير بأدوات علمية ويحوّل ظلال الجبال إلى وحوش، ثم يطلب من العلم أن يثبت وجودها.

أضف تعليق