نحو أفق معرفي جديد… تحرير العقل من “المركزية الواحدة” وصناعة الوعي البديل

نعيش اليوم في عصر تتسارع فيه المعلومات وتتآكل فيه المعاني. لم يعد المثقف مجرد ناقل للمعرفة، بل أصبح “مهندساً” للوعي. إن المشروع المعرفي الذي أدعو إليه لا يسعى لإضافة ركام جديد من الكتب، بل يهدف إلى إحداث قطيعة إبستمولوجية مع القوالب الجاهزة، سواء كانت موروثة أو مستوردة، لإعادة قراءة الإنسان والكون بلغة تجمع بين صرامة العلم وعمق الروح.
للارتقاء بهذا المشروع من حيز “البحث” إلى حيز “التأسيس”، ينبغي الإرتكاز إلى ثلاث ركائز أساسية:
١. المنهج التكامل (Interdisciplinary): لا يمكن فهم “الهشاشة الإنسانية” أو مفهوم “الأكل من الشجرة” دون ربطهما ببايولوجيا التطور وعلم النفس التطوري. فالارتقاء بالمشروع يتطلب تقديم رؤية تكاملية لا توفيقية؛ حيث لا يتنازل العلم عن نتائجه ولا الدين عن مقاصده، بل يلتقيان في تفسير ظاهرة الوجود الإنساني الفريدة.

٢. فك الارتباط بالاستعمار (Decolonizing the Mind): إن تحرير اللغة العربية فكرياً هو المدخل لكل نهضة. فالمشروع يسعى لنقد “استعمار العقول” الذي تسلل عبر المصطلحات والمناهج، والعودة إلى “فقه اللغة” كأداة لتحليل الواقع التاريخي والسياسي، تماماً كما فعل رواد التجديد في مدرستنا العربية الأصيلة.

٣. التزامن التاريخي (Historical Synchronicity): استخدام مفاهيم من الفيزياء الكمية لفهم التاريخ والسياسة المعاصرة. هذا الانتقال من “الخطية” إلى “التزامن” يمنح المشروع قدرة تنبؤية وفهماً أعمق للصراعات الجيوسياسية الراهنة.
ثانياً: الجماهيرية (كيف نصل إلى الناس؟)
لكي يتحول هذا المشروع إلى “تيار جماهيري”، يجب اتباع استراتيجية “تبسيط العمق”:
١. من التجريد إلى التجسيد: تحويل القضايا الفلسفية المعقدة (مثل البنية الحقيقية للسحر أو فلسفة العلم عند باشلار) إلى قصص ومقالات ترتبط بحياة الناس اليومية وبآلامهم وبحثهم عن المعنى في عالم مادي.
٢. استعادة “الندوة” بروح العصر: نحتاج إلى إحياء فكرة “الندوة العالمية” أو “المؤتمر الفكري” بأسلوب رقمي تفاعلي، حيث لا يكون الجمهور متلقياً سلبياً، بل مشاركاً في إنتاج المعرفة.
٣. اللغة كوسيط جمالي: الجماهيرية لا تعني الابتذال، بل تعني استخدام لغة عربية رصينة وجذابة في آن واحد، تعيد للمصطلح هيبته وللفكرة بريقها.
إن المشروع الذي أدعو إليه هو دعوة للخروج من “حدود الجغرافيا” و”ضيق الأيديولوجيا” إلى رحابة الفكر الإنساني الشامل. هو مشروع ينظر إلى الماضي (الأنثروبولوجيا والأديان) ليفهم الحاضر، ويستشرف المستقبل بجرأة علمية.
“فالوعي هو الجسر الوحيد فوق هاوية الهشاشة الإنسانية.”

أضف تعليق