انسداد الإصلاح الحضاري في الغرب… تشخيص بنيوي لمسارات التراجع وحدود الانعطاف الاستراتيجي

لم تعد الأزمات التي تواجه المنظومة الغربية قابلة للتفسير بوصفها اضطرابات ظرفية أو دورات تصحيح اقتصادي–سياسي معتادة. فالتراكم الكمي للاختلالات خلال العقود الثلاثة الماضية بدأ يتحوّل إلى تحوّل نوعي في بنية النظام ذاته؛ تحوّل يطال قدرة المؤسسات على التجدد، واستقلال القرار الاستراتيجي، ووظيفة النخب الحاكمة في إدارة المخاطر الوجودية.
تنطلق هذه المقالة من فرضية مركزية مفادها أن الغرب يقترب من حالة يمكن توصيفها بـ انسداد الإصلاح الحضاري: أي اللحظة التي يصبح فيها النظام عاجزًا عن إجراء تصحيحات جذرية دون المساس بأسسه العميقة، فيما تكون هذه الأسس نفسها قد تحوّلت إلى عوائق أمام التكيّف.
إن العطب الراهن لا يتمثل في سياسات محددة أو قيادات بعينها، بل في طريقة اشتغال المنظومة الغربية ذاتها. فالتضخم البيروقراطي المؤسسي يحدّ من سرعة القرار والاستقطاب الاجتماعي والثقافي يقوّض الشرعية السياسية والشيخوخة الديموغرافية تضغط على نظم الرفاه والتراجع الوزن الصناعي مقابل تصاعد الاقتصادات المنافسة. كل هذه العناصر تفاعلت لتُنتج ما يشبه حلقة انغلاق ذاتي، فكل محاولة إصلاح تُواجَه بتكاليف اجتماعية مرتفعة تدفع الحكومات إلى التراجع، فيتراكم العطب بدل أن يُعالج. هنا لا يبدو الخلل مجرد نتيجة أخطاء متفرقة، بل أثرًا لبنية تاريخية تشكّلت خلال مرحلة الهيمنة الطويلة، حين كان فائض القوة يسمح بتأجيل الإصلاحات المؤلمة، وهي رفاهية لم تعد متاحة في نظام دولي أكثر تنافسية.
إن تعمّق الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، ولا سيما عبر الأطلسي، يُعد أحد أبرز محددات المأزق الأوروبي المعاصر. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تشكّلت ترتيبات أمنية واقتصادية جعلت أوروبا تعمل ضمن مظلة أمريكية متزايدة المركزية في مجالات:
• الدفاع والأمن السيبراني.
• التكنولوجيا المتقدمة.
• البنية المالية العابرة للحدود.
هذا النمط من الارتباط لم يعد يُقرأ بوصفه تحالفًا متكافئًا بقدر ما يُنظر إليه باعتباره قيدًا هيكليًا على استقلال القرار. فكل محاولة لإعادة التموضع تُواجَه بمخاطر أمنية أو اقتصادية فورية، تجعل خيار الاستقلال الاستراتيجي أقرب إلى مشروع نظري منه إلى سياسة قابلة للتنفيذ السريع.
ملف الطاقة شكّل أحد أكثر الساحات كشفًا لطبيعة الاختلال البنيوي. فالتحولات السريعة في مصادر الإمداد، تحت ضغط الجغرافيا السياسية، أعادت رسم الخريطة الصناعية للقارة الأوروبية. فالانتقال القسري بعيدًا عن بعض الموردين التقليديين، مقرونًا بالاعتماد المتزايد على بدائل أعلى كلفة، أدّى إلى ارتفاع أسعار الطاقة الصناعية وتآكل القدرة التنافسية وتسارع نقل بعض القطاعات الإنتاجية خارج القارة.
في هذا السياق، لم يعد سؤال الطاقة تقنيًا أو بيئيًا فحسب، بل بات سؤال سيادة حضارية: إلى أي حد يستطيع نظام اقتصادي أن يحافظ على استقلال قراره حين تصبح مدخلاته الحيوية خاضعة لشبكات خارجية لا يملك التحكم الكامل بها؟.
النخب الحاكمة تلعب دورًا محوريًا في إدارة المنعطفات الحضارية. غير أن الملاحظة المتكررة في السياق الغربي المعاصر هي بروز فجوة متسعة بين الطبقات السياسية والإدارية وقواعد اجتماعية تشعر بتآكل الأمن الاقتصادي والرمزي. هذا الانفصال يغذّي الشعبوية من جهة، ويُضعف قدرة الحكومات على تمرير إصلاحات قاسية من جهة أخرى. كما أن دوران النخب داخل شبكات مؤسساتية متشابكة، مالية وإعلامية وأمنية، يُسهم في تكريس ما يشبه إجماعًا محافظًا على الوضع القائم، حيث تُدار الأزمات بدل حلّها.
في ضوء هذه المحددات البنيوية، يمكن رسم ثلاث مسارات محتملة:
السيناريو الأول: استمرار الانحدار. وهو الأكثر ترجيحًا في الأمد المنظور:
تراجع تدريجي في الوزن الصناعي وتفكك داخلي متصاعد وتقلص القدرة على التأثير في قواعد النظام الدولي.
السيناريو الثاني: الإصلاح القسري عبر الصدمات، حيث تؤدي أزمة كبرى، اقتصادية أو أمنية، إلى فرض إعادة هيكلة جذرية لم تكن ممكنة سياسيًا في الظروف العادية. هذا السيناريو يحمل إمكانية تجديد جزئي، لكنه ينطوي أيضًا على مخاطر اضطراب اجتماعي واسع.
السيناريو الثالث: إعادة التموضع الحضاري. وهو الأضعف احتمالًا: يتطلب توافقًا داخليًا نادرًا واستثمارات ضخمة في الصناعة والتكنولوجيا وإعادة صياغة العلاقة مع الحلفاء على أساس أكثر توازنًا، وهي شروط لا تبدو متوفرة في البيئة السياسية الراهنة.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الأزمة الغربية لم تعد مسألة خيارات سياسية قصيرة المدى، بل تعبيرًا عن تحوّل في موقع حضاري داخل النظام العالمي. فالمنظومة التي بُنيت على وفرة القوة والهيمنة المؤسساتية تجد نفسها الآن أمام بيئة تنافسية تفرض تكاليف لم تعتد على دفعها.
ومن هذا المنظور، لا يتمثل السؤال المركزي في ما إذا كان الغرب قادرًا نظريًا على تجنب التراجع، بل في ما إذا كانت بنيته المؤسسية والاجتماعية الراهنة تسمح أصلًا بتبنّي القرارات المؤلمة التي يتطلبها ذلك.

أضف تعليق