في معنى قَولِهِ تعالى “قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ”

نقرأُ في سورةِ القصص، وفي الآيتَين الكريمتَين 48- 49 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ. قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
يكفلُ لنا تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى “قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ” الواردِ في السياقِ الذي تشكِّلُه هاتان الآيتان الكريمتان أن نتبيَّنَ حقيقةً من جملةِ الحقائقِ القرآنية “المغيَّبة” التي تواضعَ نظامُ التفسير التقليدي على القيامِ بإبعادِها عن مجالِ التدبرِ القرآني. ومفادُ هذه الحقيقة المغيبة أنَّ التوراة، كما أنزلَها اللهُ تعالى على كليمِه النبي موسى، كانت متواجدة في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، من دون تحريفٍ أو تزييف أو قرطسةٍ أو تبعيض. غير أنَّ هذا لا يلزمُ عنه انتفاءُ تواجدِ صياغاتٍ أخرى للتوراة فيها كلُّ ما ذكره القرآن من ابتداعٍ وافتراءٍ واختلاق عبر كثيرٍ من الوسائل التي يسَّرت للذين نصبوا أنفسَهم أوصياءَ على كلامِ الله الذي تلقَّاه النبي موسى، أن يجعلوا فيها افتراءاتٍ وأباطيل، وذلك كما فصَّلته الآياتُ الكريمةُ التالية:
• (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (91 الأنعام).
• (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (من 79 البقرة).
• (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ( (من 46 النساء).
يتبيَّن لنا، وبتدبرِ ما تقدم من آياتٍ كريمة، أنَّ ما قام به هؤلاء “الأوصياء المزيَّفون” في تعاملِهم مع توراةِ الله لا يختلف في شيءٍ على الإطلاق عما قام به البعضُ من رجالاتِ نظامِ التفسير التقليدي في تعاملِهم مع القرآن عبر تقديم حقائق وإخفاءِ حقائق. ولقد أشارَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم إلى هذا الأمر بقولِه: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (90- 93 سورةِ الحِجر).

أضف تعليق