في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ”

نقرأُ في سورةِ النساء، وفي الآيةِ الكريمة 34 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فكيف نفهم “وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ” الواردِ في سياقِ هذه الآيةِ الكريمة؟
تقتضي منا الإجابةُ على هذا السؤال أن ندركَ أنَّ كلمة “نشزَ” قد وردت في القرآنِ بمعنَيين اثنين؛ تتبيَّنُ ماهيةُ المعنى الأول بتدبُّرِ موضعَي ورودِها، وكما يلي:
1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (11 المجادلة).
2- (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) (من 259 البقرة).
وهذا المعنى هو “النشرُ” و”الانتشار”. فالنشوز الوارد ذكره في الآية الكريمة 11 من سورةِ المجادلة أعلاه يعني التفرُّق والانتشار بعد أداء الصلاة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) (من 53 سورة الأحزاب).
أما الكلمةُ القرآنية “ننشزها” الواردة في الآيةِ الكريمة 259 البقرة أعلاه، فتعني “ننشرها”، أي نفرِّق بعضها عن بعض.
أما المعنى الثاني للكلمةِ القرآنية “نشزَ”، فيتبين بتدبُّرِ موضعَي ورودِها:
1- (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) (من 128 النساء).
2- (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) (من 34 النساء).
وهذا المعنى هو “العصيان” والثبات عليه مع الإصرارِ على تغليبِ الهوى وإطاعةِ ما تأمرُ به النفس مع إظهارِ العزوف عن أيِّ رغبةٍ في الصلح بغيةَ إصلاحِ ذاتِ البين.
والملاحظ هنا أنه، وبينما ركَّز السوادُ الأعظم من رجالات نظام التفسير التقليدي على “نشوزِ المرأة”، فإن “نشوز الرجل” لم ينل نصيبَه من التدبُّرِ والتفكُّرِ والمقارنةِ مع نشوزِ المرأة! إنَّ التدبُّرَ الكامل لهذين النشوزَين، وذلك بالأخذ بنظرِ الاعتبار سياق الورود القرآني لكلٍّ منهما، يفضي بنا إلى نتيجةٍ مؤداها أنَّه، وبما أن نشوزَ المرأة يختلف عن نشوز الرجل بسببٍ من تباين ما أحلَّه شرعُ الله تعالى لكلٍّ منهما في مسألةِ المباح فيما يجوز الزواج منه (أو منها)، فإنَّ المرأةَ التي يُخافُ نشوزُها هي تلك التي أخذتها العزةُ بالإثم وتملَّكتها حميةُ الجاهليةِ الأولى، واستوى لديها أن يبقيها زوجُها على ذمته أو أن يطلقها، فجعلها ذلك عصيةً على أي مسعىً للصلح. أما الرجل الذي يُخاف نشوزُه، أو إعراضُه، فهو ذاك الذي بذمتِه أكثرُ من زوجةٍ واحدة، ولذلك فإنَّ الفرقَ في النشوز بين الرجل والمرأة كبير.
يتبين لنا، وبتدبِّرِ كلِّ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى لم يجز ضربَ الزوجة إلا بتحققِ شرطَين اثنين: أولهما أن تكونَ متصفةً بما وردَ ذِكرُه أعلاه من صفاتٍ ليست شائعة بين النساء. وثانيهما أنَّ الزوجةَ التي هذا هو حالُها مع زوجِها، نشوزاً وإصراراً على  النأي بنفسِها عن الصلح، لا ينبغي أن يتم اللجوء إلى خيارِ الضرب إلا من بعد ما فصَّلته الآيةُ الكريمة 34 من سورةِ النساء من “تدرج” يبتدئ بالوعظ ثم الهجر في المضاجع ثم الضرب خاتمةَ المطاف.

أضف تعليق