لماذا بات النظام العالمي بحاجة إلى مراجعة جذرية؟

لم يعد من الممكن، الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطابات التقليدية حول “استقرار النظام الدولي” و“متانة المؤسسات الدولية”. فالتطورات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة كشفت عن هشاشة بنيوية عميقة في ذلك النظام الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية بوصفه إطارًا ناظمًا للعلاقات الدولية، وضامنًا نظريًا، لمنع عودة منطق القوة العارية، وحارسًا لمبادئ السيادة والمواثيق والتوازنات الدولية.
لقد بدا هذا النظام، في لحظات اختبار حاسمة، عاجزًا عن الدفاع عن نفسه بقدر عجزه عن الدفاع عن المظلومين والمستضعفين. فحوادث مثل أزمة فنزويلا، وما رافقها من تجاوزات سياسية وضغوط دولية متناقضة مع خطاب الشرعية والقانون، وكذلك ملف غرينلاند وما أُثير حوله من أطماع واستحواذات محتملة، لم تُظهر فقط ضعف آليات الردع الدولية، بل كشفت أيضًا أن المؤسسات التي قُدِّمت طويلًا بوصفها أعمدة الاستقرار العالمي باتت مكبّلة الإرادة، خاضعة لموازين القوة أكثر مما هي محتكمة إلى النصوص المؤسسة التي أنشأتها.
يزداد هذا المشهد تعقيدًا في ظل خطاب الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، الذي دعا صراحةً إلى إعادة تشكيل النظام العالمي وفق معايير جديدة، مطالبًا الدول بالامتثال لرؤية يعتبرها بديلًا عن البنية القائمة. غير أن هذا “النظام الجديد”، كما يُقدَّم، يبدو لكثيرين أقرب إلى حالة سيولة فوضوية، تُعاد فيها كتابة القواعد بالقوة لا بالتوافق، وتُهمَّش فيها المواثيق الدولية وتُختزل الشرعية في القدرة على الإكراه بدل الالتزام المتبادل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أي مصداقية يمكن أن تُمنح لنظام عالمي ناشئ، إذا كان النظام الذي سبقه، والذي يُفترض أنه أكثر رسوخًا ومأسسة، قد أخفق في حماية ذاته أولًا، قبل أن يحمي غيره؟ إن عجز البنية القديمة عن الدفاع عن هويتها القانونية والأخلاقية لا يُضعف فقط ادعاءاتها التاريخية، بل يفضح الأساس الذي قامت عليه شرعيتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ وهي شرعية مستمدة في جوهرها من انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية، أكثر مما هي متجذّرة في عدالة تطبيق القواعد على الجميع.
فما تكشفه الأزمات الراهنة ليس مجرد خلل ظرفي في إدارة ملفات بعينها، بل تصدّعًا أعمق في فلسفة النظام الدولي نفسه؛ نظامٌ طالما قدّم ذاته بوصفه عالميًا ومحايدًا، فإذا به يتصرف انتقائيًا؛ ادّعى حماية السيادة فإذا بها تُخترق حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى؛ تحدث عن حقوق الشعوب بينما تُعلّق تلك الحقوق عند أول اختبار جيوسياسي جدي.
إن إعادة النظر في النظام العالمي، قبل دافوس 2026، لم تعد ترفًا فكريًا أو تمرينًا أكاديميًا، بل ضرورة استراتيجية. ليست المسألة في استبدال منظومة بأخرى على عجل، بل في طرح أسئلة تأسيسية طال تأجيلها:
هل قامت البنية الدولية على عدالة فعلية أم على توازن قوى مؤقت؟
هل كانت المؤسسات العالمية ضامنة للقانون أم أدوات لإدارته انتقائيًا؟
وهل ما نشهده اليوم هو نهاية مرحلة تاريخية كاملة، لا مجرد أزمة في القيادة؟
من هذا المنظور، يغدو النقاش حول “النظام العالمي الجديد” اختبارًا حضاريًا أكثر منه خلافًا سياسيًا عابرًا. فإذا كان النظام القديم قد فقد قدرته على إقناع العالم بشرعيته الأخلاقية، فإن أي نظام بديل لن يستطيع الصمود طويلًا ما لم يُبنَ على قواعد واضحة، قابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء، وعلى توازن لا يقوم على الإكراه وحده، بل على إدراك جماعي بأن استمرار الفوضى سيقود إلى تفكيك شامل للبنية الدولية ذاتها.
إن العالم اليوم لا يبدو مقبلاً على مؤتمر اقتصادي تقليدي فحسب، بل على لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي؛ لحظة يُعاد فيها طرح سؤال الشرعية من جذوره، وتُختبر فيها قدرة الحضارة المعاصرة على تجاوز منطق الهيمنة العارية نحو صيغة أكثر اتزانًا، أو تنزلق، على العكس، إلى طور جديد من السيولة الجيوسياسية حيث تصبح القواعد نفسها مادة تفاوض دائم.

أضف تعليق