العيد الـ 74 للشرطة المصرية… جرائم الاستعمار البريطاني لا تسقط بالتقادم

تمر علينا الذكرى الرابعة والسبعون لملحمة الخامس والعشرين من يناير 1952، لتذكرنا بأن دماء الشهداء هي المداد الذي كُتبت به أبجدية الجلاء والحرية. إن ما حدث في مدينة الإسماعيلية قبل أكثر من سبعة عقود لم يكن مجرد مواجهة عسكرية غير متكافئة، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الكرامة الوطنية المصرية عصية على الانكسار، مهما بلغت سطوة المحتل.
ففي صباح ذلك اليوم المشهود، حاصرت قوات الاحتلال البريطاني، بقيادة الجنرال “إكسهام”، مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات “بلوكات النظام” (الشرطة). وبكل صلف استعماري، طالبت القوات البريطانية المزودة بالدبابات والمدافع الثقيلة من رجال الشرطة المصرية تسليم أسلحتهم وإخلاء المنطقة. ولقد جاء الرد من وزير الداخلية آنذاك، فؤاد سراج الدين، بكلمات حفرت في التاريخ، مفادها: “واصلوا القتال حتى آخر طلقة”. وبالفعل، فلقد خاض ٨٥٠ جندياً وضابطاً من الشرطة معركة بطولية ببنادقهم البدائية أمام قوة بريطانية مدججة بأحدث أسلحة الدمار، فصمدوا حتى آخر طلقة، مما أسفر عن سقوط 50 شهيداً و80 جريحاً.
ولم تمر تلك الجريمة الارهابية مروراً عابراً؛ إذ سرعان ما تحول الغضب في قلوب المصريين إلى بركان هادر امتد من الإسكندرية إلى أسوان. لقد كانت دماء رجال الشرطة في الإسماعيلية هي الوقود الذي أشعل روح الثورة الكامنة في نفوس الشعب والجيش على حد سواء.
ولقد مهدت حالة الغليان الشعبي التي أعقبت الحادثة الأجواء سياسياً وشعبياً لقيام ثورة 23 يوليو 1952. إلا أن هذا الغضب استُغل بمرارة في اليوم التالي مباشرة (26 يناير 1952) فيما عرف بـ “حريق القاهرة الكبير”، حيث اندفعت بعض العناصر المتطرفة والمأجورة لاستغلال الفوضى، مما أدى لدمار هائل في العاصمة، في محاولة لتشويه الحراك الوطني الصادق.
ويحق للمرء أن يتساءل “ولكن لماذا نحتفي بهذا اليوم؟”
إن اعتبار يوم 25 يناير عيداً قومياً للشرطة المصرية ليس مجرد طقس بروتوكولي، بل هو استذكار لـ:
1. عقيدة الولاء: كيف قدم رجل الشرطة المصري روحه فداءً للوطن في مواجهة عدو خارجي غاشم.
2. جرائم الاستعمار: التشديد على أن الانتهاكات البريطانية في ذلك اليوم تظل وصمة عار في سجل الاستعمار، وهي جرائم أخلاقية وتاريخية لا تسقط بالتقادم.
3. وحدة المصير: كيف التحم الشعب مع قواته في لحظة فارقة غيرت وجه التاريخ المصري الحديث.
في الذكرى الـ 74 لمعركة الإسماعيلية المجيدة، ننظر بتقدير لجيل من الأبطال لم يعرف الاستسلام، ونعلم يقيناً أن استقلال مصر لم يكن منحة، بل كان ثمنه غالياً من دماء رجال نذروا أنفسهم لحماية التراب الوطني. ستبقى ملحمة الإسماعيلية إن شاء الله رمزاً حياً، وشاهداً على أن الحقوق الوطنية لا تضيع ما دام وراءها شعب يرفض الهوان.

أضف تعليق