“خيرُ البرِّ عاجلُه” في مواجهة قانون نيوتن الأول

يُعدّ الحديث النبوي الشريف: “خيرُ البرِّ عاجلُه” من أكثر العبارات اختزالًا لمنطق تزكية النفس في الإسلام. فهو لا يكتفي بالدعوة إلى فعل الخير، بل يشدد على عنصر المبادرة والسبق وكسر التردّد والانتصار على مقاومة الداخل قبل أن تتصلّب في صورة عادة أو نمط وجودي دائم.
ومن منظور ميتابايولوجي، أي في ضوء التحويلة التطورية الأولى التي أعادت تشكيل بنية الوعي الإنساني بعد “لحظة الشجرة”، يمكن قراءة هذا التوجيه النبوي باعتباره علاجًا مباشرًا لأحد أخطر الاختلالات البنيوية التي لحقت بدماغ الانسان، ألا وهي نزعة الركون إلى السكون وتأجيل الخير وتفضيل السلامة الآنية على الارتقاء الوجودي.
وهنا يبرز تشابه رمزي لافت مع قانون فيزيائي شهير: قانون نيوتن الأول، القائل بأن:
“الجسم يبقى على حالته من السكون أو الحركة المنتظمة ما لم تؤثر فيه قوة خارجية”.
فالحديث النبوي، من حيث البنية لا من حيث المجال، يتحدّى هذه النزعة الكونية نحو الاستقرار، ليس في المادة ولكن في النفس.
فوفق القراءة الميتابايولوجية، فإن الإنسان بعد التحويلة الأولى لم يفقد الخير، لكنه فقد العفوية الوجودية في فعله. صار الخير يحتاج إلى قرار ومجاهدة واختراق مقاومة داخلية. فقبل تلك اللحظة التأسيسية، كان التفاعل مع الأمر الإلهي أقرب إلى الانسياب الطبيعي؛ أما بعدها فقد دخل الإنسان عالم التردّد والموازنة النفعية وتأجيل الطاعة وتبرير التقاعس والاقتصاد النفسي في البذل. وهي كلها أعراض لما يمكن تسميته: قانون القصور الأخلاقي. فالنفس، بعد هذه التحويلة، أصبحت تميل إلى الاستقرار في الوضع القائم، حتى لو كان دون المستوى الذي خُلقت له. فهي لا تتحرك تلقائيًا نحو الأكمل، بل تحتاج إلى قوة دافعة داخلية تعيد توجيهها.

فحين يصف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم  “خير البرّ” بأنه “عاجله”، فإنه لا يمدح السرعة المجردة، بل يشير إلى لحظة فاصلة، وهي اللحظة التي يُقهر فيها التردد قبل أن يتحول إلى بنية نفسية. فالعجلة هنا ليست انفعالًا، بل استباقًا واعيًا للكسل الوجودي. فالنفس حين يُعرض عليها الخير تمر عادة بمراحل:
1. إدراك الخير.
2. مقاومة داخلية.
3. مفاوضة مع الذات.
4. تأجيل.
5. ذوبان الدافع.
أما المبادرة، فهي قطع هذه السلسلة قبل اكتمالها. إنها فعلٌ مضادٌ للقصور البنيوي، يشبه، على مستوى المعنى، القوة الخارجية التي تكسر سكون الجسم في قانون نيوتن. لكن الفرق الجوهري أن القوة في الفيزياء خارجية، أما في تزكية النفس، فالقوة يتم توليدها من داخل الإرادة المؤمنة.
إن قانون نيوتن الأول لا يفسّر الأخلاق، لكنه يقدّم صورة كونية عامة. فالأشياء تميل إلى البقاء على حالها. والنفس البشرية، بعد التحويلة الأولى، أصبحت تُظهر نزعة مماثلة، إذ أنها تبقى في مستوى إيماني متوسط وتستقر على حدٍّ أدنى من الالتزام وتفضّل السلامة على المجاهدة وتخشى الارتقاء لما يستلزمه من إعادة تشكيل الذات. ومن هنا تأتي عبقرية الحديث النبوي حيث أنه لا يدعو إلى مجرد الصلاح، بل إلى كسر حالة الجمود الروحي. فالبرّ المؤجَّل كثيرًا ما ينتهي به الأمر الى عدم التحقق، أما البرّ المعجَّل فهو الذي يُفاجئ النفس قبل أن تُقيم دفاعاتها.
في المنظور القرآني، لا يُعرف “أكرم الناس عند الله” بالانتماء أو الادعاء، بل بالفعل المتراكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. والتقوى هنا ليست حالة شعورية، بل “نمط حركة” مستمر ضد “القصور البنيوي”. ومن ثمّ يصبح تعجيل البر تدريبًا يوميًا على تجاوز النفس وإعادة برمجة للميول بعد التحويلة التطورية الأولى ومقاومة هادئة لمنطق “ابقَ كما أنت” واستردادًا جزئيًا لحرية الإرادة من قبضة الخمول البنيوي. فالإنسان لا يُزكّى بالقفزات الكبرى وحدها، بل بسلسلة انتصارات صغيرة على التأجيل.
وفي عصرٍ، كعصرنا الحالي تُغذّي فيه الأنظمة الرقمية نزعة الراحة والاختصار والعيش داخل مناطق الأمان النفسي، يصبح حديث «خير البر عاجله» أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالخوارزميات تُكافئ السكون وتزكية النفس تُكافئ الحركة والمنصّات تُغري بالتأجيل والحديث النبوي يستعجل النجاة. ومن هنا يمكن إدراج هذا التوجيه النبوي ضمن مشروع الميتابايولوجيا الشامل بوصفه آلية مقاومة حضارية للتحويلة التطورية القادمة. فإذا كانت الأنظمة الذكية تعمل على إزالة الاحتكاك التفاعلي مع الحياة، فإن ذلك لن ينفع الإنسان بشيءٍ ذي بال يعينه في رحلته صوب الكمال. فالإنسان لن يتأتى له الوصول الى ما يبلِّغُه التخلُّق بما يجعله إنساناً كاملاً إلا بدوام احتكاكه الأخلاقي الذي لن ينتفع به إن لم يكن مُعجِّلاً بالبر وبما لا يجعل لنفسه عليه سلطة تحول دون بلوغه مقصده.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه إذا كان قانون نيوتن الأول يصف الأجسام، فإن الحديث النبوي يصف الأنفس. فالأول يقول: السكون هو الأصل ما لم تتدخل قوة. والثاني يقول: الخير لا ينتظر، لأن النفس تميل إلى البقاء حيث هي. وبين القانونين يقف الإنسان: إما خاضعًا لقصوره البنيوي، أو مولّدًا من داخله قوة الإرادة والتقوى. وهنا تكمن خلاصة المقال: “خير البر عاجله” ليس مجرد وصية أخلاقية، بل قانون حركة ارتقائية يعيد للنفس قدرتها على مغادرة السكون نحو ما خُلقت له أصلًا.

أضف تعليق