
لطالما ساد في الفكر السياسي الغربي “الواقعي” مبدأ القوة التي تُجابه بالقوة، وصراع الإرادات الذي ينتهي غالباً بانتصار الطرف الأكثر فتكاً. إلا أن الأزمات المعاصرة أثبتت أن منطق “القوة الغاشمة” يؤدي إلى استنزاف متبادل. من هنا، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكننا استعارة حكمة الشرق القتالية لصياغة نظرية في السياسة الدولية تقوم على احتواء الخصم بدلاً من سحقه؟
تعتمد مدرستا الجوجيتسو (Jiu-Jitsu) والآيكيدو (Aikido) على مبدأ أساسي: عدم المقاومة الصدامية. في الجوجيتسو، يُعلم المحارب كيف “يستسلم لكي يغلب”، أي يتماشى مع حركة الخصم ليوقعه في فخ ثقله الشخصي. أما في الآيكيدو، فإن الهدف هو “التناغم” (Aiki) مع طاقة المهاجم وتغيير مسارها، بحيث يجد المهاجم نفسه مندفعاً نحو الفراغ أو مقيداً بقوته الذاتية.
في السياسة الدولية، يمكن لهذه المقاربة أن تتحول إلى استراتيجية “الامتصاص الذكي”، وذلك كما يلي:
• توظيف قوة الخصم: بدلاً من بناء ترسانة لمواجهة ترسانة الخصم، يمكن للدولة أن توظف اندفاع الخصم العدواني لإظهار “عجزه الاستراتيجي”.
• خيار السلم كضرورة: عندما يدرك الخصم أن كل هجوم يشنه يُرتد عليه بفضل براعة الطرف الآخر في المناورة، فإنه يُضطر “عقلياً” لقبول الحل السلمي كخيار وحيد للحفاظ على ما تبقى من هيبته.
إن تطبيق “آيكيدو السياسة” يتطلب قيادة من نوع خاص؛ قيادة لا تستجيب للاستفزاز ولا تنقاد وراء نزوات “الأنا” السياسية. وهنا تبرز أهمية التصوف كتقنية روحية للارتقاء بالإنسان. “إن الانتصار الحقيقي ليس الانتصار على الآخر، بل هو الانتصار على النفس التي تدفع المرء للرد ببطش مماثل”. فالتصوف يمنح السياسي قدرة السيطرة على الانفعال، قدرة “العلو” فوق الغضب الاستراتيجي. فالدولة التي تمتلك السكينة الروحية لا تنجر إلى معارك استنزافية فرضها الخصم وإيثار السلم من موقع القوة، فالسلم هنا ليس ضعفاً، بل هو ثمرة “جهاد أكبر” (السيطرة على النفس) يمنح السياسي وضوح الرؤية لتوظيف طاقة الخصم ضده، مع ترك الباب مفتوحاً له للانسحاب الكريم نحو السلام.
إن دمج تقنيات الدفاع عن النفس الشرقية مع نظريات العلاقات الدولية الغربية يخلق ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الحركية” . إن هذه المقاربة لا تسعى لكسر هيبة الخصم، بل لجعله يدرك أن “العنف” وسيلة غير فعالة ضد طرف يتقن فن “التلاشي” وإعادة التوجيه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن تكامل حكمة الشرق (الروحية والقتالية) مع عقلانية الغرب الإجرائية، يفتح آفاقاً لنظام عالمي جديد. نظامٌ يرى في “قوة الخصم” فرصة لبناء السلام، شريطة أن نملك شجاعة الصوفي في ضبط النفس، وبراعة لاعب الآيكيدو في إدارة الصراع.
