
عقود طويلة مضت وعلم المصريات التقليدي يضع رمز “العنخ” في إطار تأويلي ضيق، معتبراً إياه مجرد “مفتاح” للبعث أو رمزاً لاتحاد الأضداد. لكن القراءة المتفحصة للهندسة الأنثروبولوجية لهذا الرمز تكشف عن وهم بصري سقط فيه الباحثون؛ فالعنخ ليس “تركيبة” متساوية الأجزاء، بل هو تجسيد لمقبض (عروة) يحمل جوهراً مستقلاً.
تتأسس هذه الرؤية الثورية على فصل الرمز إلى مكونين:
1. المكون الجوهري: وهو الشكل التائي(T) .
2. المكون الوظيفي: وهو الحلقة أو “العروة” العلوية.
إن الخطأ التاريخي لعلم المصريات هنا يكمن في اعتبار “الدائرة” جزءاً أصيلاً من المعنى الرمزي. والحقيقة أن هذه الدائرة ليست سوى “مقبض” أو ممسك يتيح للملوك إمساك هذا الرمز كما يُمسك الخنجر أو السيف القصير. وبناءً عليه، فإن ما كان يُحمل في المواكب الجنائزية واللوحات المصرية لم يكن “العنخ” كما نعرفه، بل كان الرمز (T) يُيسر الحمل بواسطة مقبض لتسهيل استخدامه كأداة سلطة أو سلاح وجودي.
إن ما يعزز هذه الفرضية هو الانتشار الجغرافي الواسع لشكل (T) في حضارات العالم القديم مقارنة بـ “العنخ” بتركيبته المصرية الخاصة، وذلك كما يلي: فمن “صليب” تاو في الشرق الأدنى، إلى “مطرقة ثور” (Mjölnir) في الأساطير الإسكندنافية التي تمثل القوة الضاربة وصولاً إلى رموز المايا في المكسيك التي رأت في شكل حرف (T) جذع شجرة العالم.
إن هذا الانتشار يثبت أن الرمز الأم هو (T)، وهو الرمز الذي عرفته البشرية كعلامة للقوة أو التوازن أو “الفأس الكونية” التي تشق طريق الحياة. أما الصيغة المصرية (العنخ)، فما هي إلا “نسخة محلية” أضافت المقبض الدائري لاعتبارات جمالية أو عملية تتعلق بكيفية ظهور “الإله” وهو يمسك بالحياة، تماماً كما يمسك المحارب بمقبض سيفه.
والآن، إذا قبلنا بأن شكل الحرف ((T هو الجوهر، فإن معنى “الحياة” المرتبط بالعنخ يتغير جذرياً؛ فهي ليست حياةً قائمة بذاتها، بل هي حياة يمنحها الإله واهب الحياة. إن إمساك الإله بالعروة وتوجيه شكل حرف (T) نحو الأنف (كما في طقوس منح الحياة) يشبه توجيه نصل السيف أو الأداة الفاعلة لبث الروح، مما يعيد للرمز هيبته “الحركية” التي طمسها تأويل علماء المصريات الغربيين.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن علم المصريات، بالصياغة الحالية التي قام بها علماء المصريات الغربيون، بحاجة الى ثورة لعل مبتدأها أن يكون قائماً على أساس من إعادة تفسير “العنخ” ليتوافق بذلك مع فهم رموز العالم القديم ذات الصلة. فـ “العنخ” ليس لغزاً معزولاً، بل هو فصل من ملحمة عالمية بطلها شكل الحرف (T) .لقد آن الأوان لنكف عن النظر إلى “المقبض” ونبدأ بالنظر إلى “النصل” الذي صنع التاريخ.
إن هذه الدعوة لَتُذكر بأبحاث الدكتورة مونيكا حنا التي اشتمل على بعضٍ منها كتابها الرائد “مستقبل علم المصريات” والذي كشفت فيه هذه الباحثة المصرية الرائدة النقاب عنما أحدثه علماء المصريات الغربيون من كبير ضرر في التراث المصري القديم، بكل ذلك الذي قاموا به من تشويه متعمد لمعاني رموز هذا التراث الذي أرادوا له أن ينحى بعيداً عن تميزه المصري، وذلك في محاولة منهم لإثبات تفوقهم العرقي المزعوم.
