
تحلُّ اليوم الذكرى السنوية الـ 74 لحريق القاهرة؛ هذا الحريق الذي لا يزال البعض يشكك في هويةِ الجهة التي أمرت به، والجهة التي تولت تنفيذَ الأمر. غير أنَّ هذا التشكيك إن دلَّ فإنما يدل على الافتقار إلى الهِمة المطلوبة لتبيُّن الحق ومعرفة الحقيقة. فلا عذرَ بعد انقضاءِ هذه العقود كلها جميعاً لمن يتذرَّع بقلةِ المتوفر من الأدلة والبراهين التي تشير كلها إلى أنَّ ما حدث في مدينة الاسماعيلية يوم 25 يناير 1952 من مذبحةٍ للشرطةِ المصرية قام بها جيش الاحتلال البريطاني هو السبب المباشر لاندلاع هذا الحريق. فسلطات الاحتلال البريطاني كانت قد أعدَّت العدة، ومنذ ما يقرب من أشهرٍ ثلاث، للرد على إلغاء معاهدة عام 1936. ولقد اشتملت خطة الرد آنذاك على تجهيز وإعداد كل الجماعات التي كانت قد نجحت في جعلِها تأتمرُ بأمرِها فصيَّرتها طابوراً خامساً متعدد الأوجه، لا يعرف بعضُها بعضاً، وذلك في “ارتباطٍ خيطي” أتقنت صناعتَه في تجاربَ لها سابقة في بلدانٍ كانت قد احتلتها وكوَّنت بها امبراطوريتَها التي كانت تفاخر بأنها “لا تغيبُ عنها الشمس”. ومن أبرز تلك الجماعات، التي كانت تعمل مأتمرةً بأمر سلطات الاحتلال البريطاني متآمرةً على وطنِها، تقف “جماعة الأخوان” الإرهابية في تمايزٍ عن غيرِها من الجماعات المرتبطة بالسفير البريطاني في القاهرة مباشرة.
فما حدث في الاسماعيلية قبل يوم من اندلاع حريق القاهرة إذاً هو الذي عجَّل بتنفيذ خطة بريطانيا (العظمى آنذاك) للانتقام من إلغاء معاهدة عام 1936، وذلك في استباقٍ منها للأحداث التي حسبت أنها قد تنجم كردِّ فعلٍ شعبي عفوي على حادثةِ الإسماعيلية. فكان الذي كان، وتمَّ إحراق ما يقرب من 750 مؤسسة مدنية بين محالٍ تجارية وسينمات ومسارح ومقاهي وصيدليات وأملاك خاصة، تقصَّدَ واضعو خطة الانتقام تلك أن تكونَ مملوكةً للأجانب، وذلك لتبرير وجوب العودة إلى معاهدة 1936 حمايةً لهؤلاء الأجانب.
وإذا كانت سلطات الاحتلال البريطاني قد نجحت في إلحاق أضرار فادحة في تلك المؤسسات المدنية جراء ما أصابها من شرر ذلك الحريق الكبير، فإنَّه قد فاتها أنَّ حريق القاهرة هذا قد تسبب خاتمةَ المطاف، وبعد ما يقرب من ستة أشهر، في إشعالِ ثورةٍ وطنيةٍ ستطيح بالاحتلال البريطاني وأعوانه إلى الأبد. فما أن جاء يوم 23/يوليو/1952 حتى بدأ العد التنازلي لإنهاء الاحتلال البريطاني لمصر، وتيسَّر السبيل بذلك للتخلص من كلِّ آثارِ ذلك الاستعمار الظالم يومَ قام جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس في 26/يوليو/1956.
