في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ”

نقرأُ في سورةِ الأنعام، وفي الآياتِ الكريمة 83- 90 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين( (83- 90 الأنعام). فما هو معنى “فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ”؟
لا يتجلى معنى قَولِ اللهِ تعالى هذا إلا بتذكُّرِ وتدبُّرِ الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادها أنَّ رسالةَ اللهِ تعالى التي أمرَ أنبياءَه المرسَلين بإيصالِها، كلاً وفقما أُمِرَ به، هي الرسالةُ ذاتُها. فالهدى الذي اهتدى به مَن سبق النبي محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من أنبياءِ اللهِ المُرسَلين هو ذاتُه الذي أُمِرَ أن يهتديَ به. فلا فرق بين رسالةٍ نبويةٍ وأخرى طالما كان المُرسِلُ هو ذاته. ولقد شدَّد اللهُ تعالى في القرآنِ العظيم على هذه الحقيقة في مواطن منه عديدة:
• (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ( (43 فصلت).
• (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) (من 47 النساء).
• (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (76 النمل).
فاللهُ تعالى يؤكد أنَّ القرآنَ متطابقٌ مع التوراةِ والإنجيل تطابقاً يتبيَّن لكلِّ مَن يتدبَّرُه ألا فرقَ هنالك على الإطلاق بينه وبين ما جاء به هذان الكتابان اللذان سبق وأن أنزلَهما على النبي موسى والنبي عيسى عليهما السلام:
• (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (84 آل عمران).
• (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (من 157 الأعراف).
يتبيَّن لنا، وبتدبُّر ما تقدَّم، أنَّ تدبُّرَ القرآن يبيِّن لمتدبِّرِه خلاف ما يدَّعيه أولئك الذين هجروه واحتكموا إلى ما تأمرهم به أنفسُهم من وجوبِ أن يشيعوا الفُرقةَ بين الناس بزعمهم أنَّ هنالك تعارضاً بين ما أنزلَ الله تعالى من كتاب. فما كان لكتابٍ منزَّلٍ من اللهِ تعالى أن يأمرَ بما يتعارض مع رسالتِه الإلهية التي تنصُّ على وجوبِ الإصلاحِ بين الناس وبما يكفل ألا يشيعَ في الأرضِ الفسادُ وسفكُ الدماء.

أضف تعليق