من “بساط التمرين” إلى “طاولة المفاوضات”… الآيكيدو والجوجيتسو في مضمار السياسة الدولية

لتوضيح كيف يمكن لـ “الآيكيدو”  أن ينجح في غير مجاله التقليدي، يمكننا استحضار نماذج استراتيجية اعتمدت على امتصاص قوة الخصم وتحويلها إلى وسيلة للسلام:
1. المقاومة المدنية كـ “قفل مفصلي” سياسي
في حركات التحرر الوطني الكبرى، كتجربة غاندي (الساتياجراها)، نجد تطبيقاً حرفياً لمبدأ الجوجيتسو؛ فالخصم (المستعمر البريطاني) يمتلك قوة عسكرية وبطشاً هائلاً، ولكن المقاومة لا تصطدم بهذا البطش وجهاً لوجه. فبدلاً من ذلك، تستخدم “قوانين” الخصم ضده، مما يضعه في موقف “الارتباك الاستراتيجي”؛ فكلما زاد بطشه، زاد انكشافه الأخلاقي أمام العالم، مما يضطره في النهاية للجنوح للسَلم للحفاظ على بقائه.
2. استراتيجية “الدولة القنفذ” (التوازن بالاحتواء)
تعتمد بعض الدول الصغيرة أو المتوسطة مقاربة تشبه الآيكيدو في علاقتها مع القوى العظمى. فبدلاً من الدخول في تحالفات عدائية (تصادمية)، تقوم هذه الدول بجعل نفسها “جزءاً من مصلحة الخصم”. هنا يتم توظيف أطماع الخصم أو قوته الاقتصادية لتكون هي نفسها الضمانة لسلمية العلاقة؛ فالهجوم على هذه الدولة سيعني بالضرورة إيذاء الخصم لنفسه أو لمصالحه الحيوية.
3. الدبلوماسية الوقائية والسيطرة المتدبرة
في الأزمات الدولية الحادة (مثل أزمة الصواريخ الكوبية أكتوبر 1962)، كان “ضبط النفس” هو المفتاح. فالقائد الذي يتمتع بالاتزان عند الشدائد، يرفض الانجرار إلى رد الفعل. فعندما يُهدد الخصم بالقوة، فإنه لا يرد بتهديد مماثل يغلق أبواب التراجع، بل يترك “مساحة فارغة” تسمح للخصم بالانسحاب نحو مخرج سلمي دون أن يفقد ماء وجهه. هذا هو جوهر الآيكيدو: خلق فراغ يمتص اندفاع المهاجم.
ولكن كيف ننتقل من النظرية إلى التطبيق؟ لتحويل هذه المقاربة إلى “عقيدة سياسية” مثمرة، لابد من التركيز على ثلاث ركائز:
1. إعادة تعريف الانتصار: الانتقال من مفهوم “كسر إرادة الخصم” إلى مفهوم “إقناع الخصم بعدم جدوى الصراع”.
2. الاستثمار في “القوة الناعمة” غير التقليدية: تدريب الكوادر الدبلوماسية على تقنيات التأمل وضبط النفس ليكونوا قادرين على إدارة التفاوض تحت ضغوط الاستفزاز العالي.
3. تطوير “الذكاء الحركي السياسي”: القدرة على قراءة تحركات الخصم وتوقع اندفاعاته، ليس لصدها، بل لتغيير مسارها نحو أهداف مشتركة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هذه المقاربة لا تدعو إلى مثالية ساذجة، ولكنها تدعو الى “واقعية حكيمة”؛ إذ أنها اعتراف بأن القوة المادية وحدها (الغرب) دون بصيرة واعية (الشرق) تؤدي إلى الدمار، وأن التأمل المتجرد عن التفاعل الحكيم مع متغيرات الأحداث دون وعي بموازين القوى يظل عاجزاً عن تحقيق النصر الحقيقي. فالتكامل بينهما هو ما سيخلق سياسة قادرة على تحويل “طاقة الحرب” إلى “قوة بناء”.

أضف تعليق