
ظلّ رمز العنخ، المعروف في الأدبيات الحديثة باسم “مفتاح الحياة”، أحد أكثر الرموز المصرية القديمة تداولًا وتأويلًا. وقد استقرّ في علم المصريات التقليدي توصيفه بأنه تشكيلٌ مركّبٌ من ساق عمودية يتقاطع معها ذراع أفقي، تعلوه حلقة أو شكل بيضوي، تُفسَّر غالبًا على أنها عنصر دلالي أصيل في الرمز نفسه إما كعقدة أو رحم أو علامة أنفاس الحياة.
غير أن هذه المقالة تقترح تفكيك هذا الافتراض المركزي، والانتقال من قراءة ترى الرمز وحدةً تشكليةً مغلقة، إلى قراءة تفصل بين الجوهر الرمزي وبين الملحق الوظيفي الذي أضيف إليه لاحقًا لأغراض عملية أو طقسية.
وتنطلق الأطروحة الأساسية هنا من فرضية جذرية مفادها أن جوهر رمز العنخ لا يتمثّل في التشكيلة المركّبة المعروفة اليوم، بل في الشكل التائي T ذاته، أمّا الحلقة العلوية فليست سوى عروة أو مقبض أُضيف لتيسير الإمساك بهذا الرمز كما يُمسك خنجر أو سيف قصير أو أداة طقسية.
وإذا جرى النظر إلى العنخ بمعزل عن الإرث التأويلي الحديث، فإن أكثر عناصره ثباتًا وبروزًا هو الشكل التائي T، ساق عمودية تخترق عارضة أفقية، وهو شكل هندسي بسيط وقوي وقابل للاستنساخ وقادر على حمل حمولة رمزية عالية. فهذا النوع من الأشكال لا يحتاج إلى عناصر إضافية ليؤدي وظيفة رمزية: فهو يوحي بالمحور والاختراق والتوازن بين العمودي (السماء/السلطة/القوة) والأفقي (الأرض/الانتشار/الامتداد). ومن هنا يمكن افتراض أن هذا الشكل وحده كان هو النواة الأصلية التي حملت الدلالة الأساسية في المخيال المصري القديم. أما الحلقة العليا وفق هذا المنظور، فإنها ليست عنصرًا دلاليًا متساوي الرتبة، بل إضافة لاحقة ذات طبيعة وظيفية أكثر منها رمزية: مقبض يُتيح حمل الرمز، عند رفعه في الطقوس أو تقديمه للآلهة أو تصويره في يد الملك أو الإلهة بوصفه أداة تُمنَح لا مجرد شكل يُعرض. فالقراءة التقليدية تدفع إلى التعامل مع الحلقة باعتبارها قلب الرمز، إلا أن هذه المقالة ترى في ذلك نوعًا من الخلط بين الأداة وبين مدلولها. فالعديد من الأدوات عبر الحضارات القديمة كانت تُزوَّد بعُرى أو مقابض دون أن يكون لهذه الإضافات معنى رمزي مستقل: الخناجر الطقسية والصولجانات والمطارق الشعائرية وحتى بعض التمائم المعدنية كانت تُثقَب أو تُزوَّد بحلقات فقط لتُعلّق أو تُحمل.
وعليه فإن بالإمكان اقتراح أن الشكل التائي T هو الرمز والحلقة هي وسيلة الإمساك به والتشكيلة الكاملة هي أداة رمزية محمولة لا رمزًا مجرّدًا. وبهذا المعنى يغدو العنخ أقرب إلى أيقونة عملية تُستعمل في الطقوس، لا مجرد رسم تجريدي يُقرأ من بعيد.
إن هذه الأطروحة تستمد قوتها من معطى إضافي بالغ الأهمية ألا وهو الانتشار الواسع للشكل التائي T في حضارات متعدّدة عبر العالم القديم. فمن رموز بلاد الرافدين إلى إشارات بحر إيجة وإلى بعض نقوش الأناضول، بل وحتى أشكال أولية في أميركا ما قبل كولومبوس، يظهر الشكل الصليبي البسيط، وخاصة الشكل التائي T ،كعنصر بصري متكرّر. وهذا الانتشار يفتح الباب أمام احتمالين:
- إمّا أنّ الشكل التائي T يمثّل بنية رمزية كونية مرتبطة بالهيمنة أو الحياة أو المحور الكوني أو السلطة.
- أو أنّ المصريين أعادوا توظيف رمز شائع وأضافوا إليه الحلقة لتكييفه مع استعمالهم الطقسي الخاص.
وفي كلا الاحتمالين، تصبح فكرة أن العنخ “اختراع مصري شكلي خالص” موضع مراجعة نقدية.
وإذا صحّت هذه القراءة البديلة، فإن العنخ لا يعود مجرد علامة لغوية أو تصويرية لمعنى “الحياة”، بل يتحوّل إلى أداة رمزية تُمسك أو تميمة تُقدَّم أو سلاح طقسي غير قتالي أو تمثيل ملموس لقوة تُنقل جسديًا من الإله إلى الإنسان. وبذلك ينتقل النقاش من مستوى “ما الذي يرمز إليه الشكل؟” إلى مستوى أعمق:
لماذا كان لا بدّ للحياة أن تُمنَح عبر أداة؟
ولماذا يُمسك الرمز كما يُمسك سلاح؟
وهل نحن أمام تصور مصري قديم للحياة بوصفها قوة توهب لا مجرد حالة بيولوجية؟
والآن، ألا يحق لنا أن نتبين بين ثنايا هذه المقاربة الجديدة دعوة للثورة على علم المصريات بصيغته الحالية، التي صاغها علماء المصريات الغربيون، تهدف، فيما تهدف إليه، لإعادة فتح ملف العنخ على أسس جديدة، تتجاوز الإرث التفسيري المستقرّ منذ القرن التاسع عشر، وتستبدله بمقاربة:
• شكلانية نقدية.
• أنثروبولوجية مقارنة.
• تميّز بين الجوهر والملحق.
• وتقرأ الأيقونة بوصفها أداة في الممارسة الحضارية لا مجرد رمز تجريدي. فربما لم يكن العنخ في أصله “حلقة وصليبًا”، بل رمزًا تائيًا T محمولاً، أضيفت إليه العروة حين صار يُرفع في الطقوس، ويُسلَّم من الآلهة إلى البشر بوصفه تجسيدًا ملموسًا لفعل الإحياء ذاته.
