
يجادل البعض في حقيقةِ وجود “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة متذرعين بحجةٍ مفادها أنَّ هكذا “كياناً” لا يوجد على أرضِ الواقع ما يمثِّله، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بمؤسساتٍ وبُنى ارتكازية وأشخاصٍ يشغلون مناصبَ حقيقية. وهذه حجةٌ من اليسيرِ دحضُها عبر تتبعِ مسار النهج الذي دأبت على اتخاذِه الإداراتُ الأمريكيةُ المتعاقبة منذ نهايةِ الحربِ الأهليةِ الأمريكية؛ تلك الحرب الفاصلة التي تمثل المنطلقَ الحقيقي لمسيرةِ أمريكا من جماعةٍ من المهاجرين “المتطهرين” إلى ما أصبحت عليه اليوم: أعظم امبراطورية “عقائدية” على مرِّ التاريخ. فلقد حددت نهايةُ تلك الحرب الملامحَ الرئيسة لما بالإمكان اعتبارُه “الدستور الامبراطوري” الخفي الذي حرصَ صانعوه على ألا يحيدَ أيُّ رئيسٍ لأمريكا عن منهاجِه. فالمتتبع للتاريخِ السياسي (العسكري والدبلوماسي) للولاياتِ المتحدة، منذ انتهاء الحربِ الأهلية الأمريكية وحتى يومِنا هذا، لا يمكن أن يفوتَه ما ينتظمُ وقائعَ وأحداث هذا التاريخ من خيطٍ ناظمٍ لها كلِّها جميعاً.
إنَّ هذا “النظام”، الذي يفرضُه هذا الخيطُ الناظم، لا تفسيرَ منطقياً له، إن نحن أخذنا بنظرِ الاعتبار التباينات الشخصية بين رئيسٍ وآخر، إلا إذا ما سلَّمنا بأنَّ كلاً من هؤلاء الرؤساء لا يملكُ ما يجعلُه يحيد عن هذا الخط. وخيرُ مثالٍ على ذلك هو ما تقدِّمُه لنا الدراسةُ المتأنية لما أنجزه الرئيسُ الأمريكي الحالي ترمب خلال عامِه الرئاسي الأول في البيتِ الأبيض. صحيحٌ أنَّ ما قام به ترمب يمثل سلسلةً من الأحداث التي لم يسبق لأي رئيسٍ أمريكي وأن تسبب فيها، إلا أن هذه الأحداث، على غرابتِها وكونِ كلِّ واحدٍ منها حدثاً صادماً لا سابقةَ له، تتماهى وتتطابق مع الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى التي سبق وأن حددها الدستور الامبراطوري للولايات المتحدة. فالفارق يكمن في أنَّ الرئيس ترمب قد اتبعَ وسائلَ غير تقليدية، إلا أنَّ النتائجَ التي تمخضت عنها لا تتعارض مع مفرداتِ هذا الدستور.
