تفكك النظام الدولي وفقدان الوعي السيادي

لم يعد النظام الدولي المعاصر قابلاً للوصف بأنه شبكة توازنات مستقرة بين قوى كبرى متكافئة نسبيًا. فما تشهده البنية العالمية هو انتقال تدريجي من منطق توزيع الردع إلى منطق تركيز القدرة، ومن التعدد القطبي المرن إلى أشكال متفاوتة من الأحادية القسرية.
تنطلق هذا المقالة من فرضية مركزية مفادها أن العالم دخل طورًا يمكن توصيفه بتآكل الوعي السيادي لدى الفاعلين الدوليين لصالح أنماط تبعية أمنية، اقتصادية، تقنية متشابكة، تُدار من مراكز قوة محدودة. وضمن هذا الإطار، لا يُفهم أي سيناريو استراتيجي، حتى الافتراضي المتطرف، باعتباره تنبؤًا، بل باعتباره أداة كشف لبنية النظام ومواطن هشاشته الكامنة. ويُدرج هنا سيناريو احتكار القدرة النووية من قبل الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترمب بوصفه اختبار إجهاد نظري للنظام الدولي، فماذا يحدث حين تختفي آليات الردع المتبادل، ويتحوّل السلاح النهائي إلى ملكية حصرية لمركز واحد؟
فلقد قام الاستقرار الاستراتيجي منذ الحرب الباردة على “مبدأ التدمير المتبادل المؤكد”. فلم يكن السلاح النووي أداة حرب بقدر ما كان أداة منع. وفي حال انتقال العالم إلى وضع احتكاري، فإن منطق التوازن ينهار وتتحول القوة من ردع إلى إكراه ويصبح الامتثال السياسي وظيفة أمنية وتتحول التحالفات إلى علاقات حمائية مشروطة. هنا يتبدل شكل النظام ذاته من بنية أفقية نسبياً إلى تراتبية قسرية تقف فيها دولة واحدة على قمة هرم الردع، فيما تتوزع البقية في طبقات متفاوتة من الهشاشة الاستراتيجية. وهذا التحول لا يعني نهاية الصراعات، بل إعادة توجيهها إلى مستويات أقل وضوحًا وأكثر انتشارًا.
عند إدراج شخصية القيادة ضمن الحساب الاستراتيجي، لا بوصفها عاملًا نفسيًا بل نمط قرار، يظهر أن إدارة ترمب للسياسة الخارجية، كما دلّت التجارب السابقة، اتسمت بعقلية الصفقة الثنائية وربط الحماية بالعائد والتشكيك في المؤسسات متعددة الأطراف والاستخدام العلني للتهديد كأداة تفاوض وتفضيل الضغط الاقتصادي والرمزي قبل العسكري. وفي سياق احتكار نووي، تتحول هذه السمات إلى توسيع مجال الردع الإكراهي وتقليص الاستقلال الاستراتيجي للحلفاء وإعادة تعريف السيادة بوصفها قدرة تفاوضية لا قدرة قرار مستقلة وإخضاع القواعد الدولية لمنطق الصفقة. وهنا يبدأ تفكك الوعي السيادي، حين تعيد الدول تعريف مصالحها وفق حدود ما يسمح به مركز الردع، لا وفق تقديراتها الذاتية.
في هذا النموذج الأحادي تتلاشى أي مظلة ردع أوروبية مستقلة وتتعاظم التبعية الدفاعية وينكمش هامش المناورة الدبلوماسية وتتراجع مشاريع الاستقلال العسكري. والنتيجة البنيوية ليست خضوعًا مباشرًا، بل تكيّفًا استراتيجيًا طويل المدى: قبول ضمني بالتراتبية الجديدة، مقرون بمحاولات تعويض صامتة عبر أسلحة تقليدية فائقة واستقلال سيبراني وتقنيات فضائية وبرامج سرية طويلة الأجل لاستعادة الردع. هنا تظهر المفارقة: الهيمنة المطلقة تولد لدى الأطراف دوافع إعادة التسلح لا الاستسلام.
إن إلغاء الردع النووي لدى قوى كبرى لا يؤدي إلى تحييدها، بل يدفعها إلى نقل الصراع إلى مجالات أخرى: الفضاء والفضاء السيبراني والأنظمة الذاتية وتعطيل البنى التحتية الحيوية والحروب الاقتصادية. ويتشكل بذلك نمط جديد يمكن تسميته: ردع غير نووي فوضوي وأقل انضباطًا من الردع النووي التقليدي وأكثر قابلية للانزلاق إلى مواجهات متقطعة عالية الخطورة.
ففي مناطق النزاع المزمن يتحول الاحتكار النووي إلى مظلة قسرية لإدارة الصراعات تُفرض تسويات جزئية بالقوة الرمزية وتتكاثر التدخلات المحدودة وتنشط الحروب بالوكالة. المنطقة لا تدخل طور الاستقرار، بل طور الاحتكاك المستدام منخفض الشدة ونزاعات لا تُحسم، لكنها لا تسمح لها بالخروج عن سقف الردع الأحادي.
ومع غياب التوازن تفقد الأمم المتحدة وزنها الردعي وتتحول القواعد الدولية إلى أوراق تفاوض وينزاح مركز الثقل من الشرعية إلى القدرة ويُعاد تعريف النظام القانوني بوصفه بنية تابعة لا ضابطة. فينشأ ما يشبه نظام إدارة القوة بدل منظومة حكم عالمي.
إن القوة الأحادية لا تنتج استقرارًا صافياً، بل نوعًا جديدًا من الأزمات: تضخم القرار المركزي وارتفاع مخاطر سوء التقدير وتراجع قنوات الضبط المتبادل وتوسع أشكال المقاومة غير النظامية وتحفيز سباقات تسلح بديلة. وكلما تركّزت القدرة، تضاعفت حساسية النظام لأي خطأ في الحساب.
وهنا بإمكاننا أن نقدم ثلاث مسارات تستعرض السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وذلك كما يلي:
1. الهيمنة المنضبطة، وهي نظام تراتبي مستقر ظاهريًا، قائم على ردع أحادي، وتدبير النزاعات دون استخدام مباشر للسلاح النهائي.
2.  التفكك المتدرج: عودة الانتشار النووي السري وسباقات تسلح وانهيار منظومات الحظر وتآكل الامتثال.
3. الفوضى المقنّعة: شبكات نزاع منخفضة الشدة وحرب سيبرانية دائمة واهتزاز التحالفات وتراجع القدرة على ضبط الأطراف.
تخلص هذه المقالة إلى أن السيناريو الافتراضي لاحتكار الردع النووي لا يُستخدم للتنبؤ، بل لتشخيص مسار أعمق مفاده أن تفكك النظام الدولي ليس نتيجة قرار سياسي واحد، بل نتاج تراكم اختلالات بنيوية في توزيع القوة وتآكل السيادة الفعلية وشخصنة الردع وانهيار آليات الضبط الجماعي. إن العالم اليوم لا يتجه نحو استقرار أحادي، بل نحو أنظمة ردع متداخلة وسيادات مشروطة ومراكز قرار مركّزة وأطراف متكيّفة قسرًا وقانون دولي منزوع الأسنان.

أضف تعليق