صحوة أوروبية متأخرة… دعوة ماكرون في اختبار التحولات الجيوسياسية الجديدة

أثارت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوروبا إلى التعامل مع “مسألة كرينلاند” بوصفها لحظة تستوجب صحوة استراتيجية اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والفكرية الأوروبية. فالقضية، في ظاهرها، تتعلق بإقليم ذي موقع جيوسياسي بالغ الحساسية في القطب الشمالي، لكنها في عمقها تعكس تحوّلًا أوسع في بنية النظام الدولي، وفي طبيعة العلاقات العابرة للأطلسي خلال الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
غير أن السؤال المركزي لا يكمن في وجاهة الدعوة الفرنسية بحد ذاتها، بل في توقيتها: لماذا تأتي الآن؟ ولماذا لم تُطلق أوروبا، منذ وقت مبكر، نقاشًا استراتيجيًا جادًا حول استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي والأمني، بعدما بات واضحًا أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر صدامية، عنوانها عودة منطق القوة الصلبة، والضغط الاقتصادي، والتشكيك في ثوابت السيادة التقليدية؟
فمنذ بداية الولاية الثانية لترمب، لم يُخفِ الرئيس الأمريكي رؤيته القائمة على إعادة تعريف المصالح الأمريكية بمنطق أحادي صارم، سواء عبر التلويح بفرض رسوم جمركية واسعة أو عبر إطلاق تصريحات تتعلق بأقاليم تخضع لسيادة دول مستقلة، مثل كندا وكرينلاند. هذه المؤشرات لم تكن عابرة، بل جاءت متسقة مع نمط سياسي سبق أن اتبعه خلال ولايته الأولى: استخدام الاقتصاد كسلاح والضغط الجيوسياسي المباشر وإعادة التفاوض على التحالفات بمنطق الصفقة لا بمنطق الالتزام البنيوي. وفي هذا السياق، يبدو أن أوروبا تأخرت في الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة. فبدل تطوير رؤية استباقية تحسبًا لتحولات عميقة في السياسة الأمريكية، ظل الاتحاد الأوروبي أسير افتراضات قديمة حول استقرار الشراكة الأطلسية، واستمرار الولايات المتحدة بوصفها الضامن النهائي للأمن الأوروبي.

يمكن قراءة دعوة ماكرون اليوم باعتبارها إقرارًا غير مباشر بأن أوروبا لم تنجح، حتى اللحظة، في بلورة “استقلال استراتيجي” حقيقي. فحديثه عن “الصحوة” يوحي بأن القارة كانت وإلى حد بعيد في حالة “سبات استراتيجي” أو على الأقل في حالة اطمئنان مفرط إلى منظومة دولية بدأت تتآكل ركائزها منذ سنوات. ولكن أهمية الدعوة لا تكمن في كونها متأخرة فحسب، بل في أنها تكشف تحوّلًا في المزاج السياسي داخل بعض العواصم الأوروبية مفاده إدراكٍ متنامٍ بأن الاصطفاف التلقائي خلف السياسات الأمريكية لم يعد مضمون النتائج، وأن كلفة هذا التماهي قد تصبح أعلى من كلفة البحث عن مسار أوروبي مستقل نسبيًا، يوازن بين التحالف التاريخي مع واشنطن ومتطلبات السيادة والمصلحة الذاتية.
كما أنه، ومن منظور استراتيجي بارد، يصعب تبرير استمرار أوروبا في الاكتفاء بدور المتلقي لقرارات تُصاغ خارج حدودها، بينما تتعرض مصالحها الاقتصادية والأمنية المباشرة للاهتزاز. فإذا كان الرئيس الأمريكي يبرر إجراءاته بأنها تخدم المصلحة العليا للولايات المتحدة، فإن منطق الدولة القومية، الذي عاد بقوة إلى الساحة الدولية، يقتضي أن تفعل أوروبا الأمر ذاته؛ أي أن تعيد تعريف سياساتها الخارجية والتجارية والأمنية انطلاقًا من احتياجات شعوبها، لا من مقتضيات الانضباط داخل تحالفات لم تعد تعمل وفق القواعد القديمة. غير أن هذا كله لا يعني الدعوة إلى قطيعة مع واشنطن، بل إلى إعادة معايرة العلاقة معها، أي الانتقال من “التبعية البنيوية” إلى “الشراكة المشروطة”، ومن ردّ الفعل إلى القدرة على صياغة خيارات مستقلة في ملفات الطاقة والدفاع والتجارة وسلاسل الإمداد.
ولكن، لماذا كرينلاند؟ ولماذا الآن؟ تكتسب كرينلاند أهمية تتجاوز بعدها الإقليمي، إذ تمثل إحدى عُقد الصراع المستقبلي على القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا في آن واحد. ومن هنا، فإن إثارة الملف على هذا المستوى لا تعكس فقط نزاعًا محتملاً حول السيادة، بل اختبارًا لقدرة أوروبا على الدفاع عن مجالها الجيوسياسي الحيوي في عالم يتجه نحو إعادة ترسيم مناطق النفوذ. إن التعامل مع هذه القضية بوصفها حادثة منفصلة سيكون خطأً تحليليًا؛ فهي جزء من مشهد أوسع يتمثل في تفكك قواعد النظام الليبرالي الدولي، وصعود مقاربات أكثر صلابة في إدارة التنافس بين القوى الكبرى.
تخلص هذه المقالة إلى أن دعوة ماكرون، رغم وجاهتها، جاءت متأخرة قياسًا بحجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي. غير أن التأخر لا يلغي إمكان التصحيح. فما تزال أمام أوروبا نافذة، قد تكون ضيقة، للانتقال من موقع “الارتهان الاستراتيجي” إلى موقع الفاعل المستقل نسبيًا في صياغة مستقبله.
إن اللحظة الراهنة لا تتطلب بيانات سياسية عامة بقدر ما تتطلب تحولات عملية في العقيدة الدفاعية الأوروبية وفي سياسات الطاقة وفي علاقاتها التجارية وفي قدرتها على حماية مصالحها الحيوية دون انتظار إشارات من الخارج. فالعالم يدخل مرحلة جديدة تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق المصالح الصلبة لا الشعارات، وأي كيان لا يعيد تعريف موقعه داخل هذه المعادلة سيجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، على هامش “العصر الاستراتيجي” القادم.

أضف تعليق