
في وقتٍ يروج فيه البعض لنهاية عصر الورق وانحسار سطوة الكتاب أمام “تسونامي” الرقمية، جاءت الدورة السابعة والخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب لتقلب كل التوقعات، وتقدم مشهداً مهيباً يفيض بالبهجة. إن الحشود الغفيرة التي ملأت جنبات المعرض ليست مجرد أرقام في سجلات الحضور، بل هي رسالة حضارية بليغة تؤكد أن جذور المعرفة لا تزال تضرب في عمق الأرض.
ولعل الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه، والتي تبعث في العقل والقلب غبطة لا تضاهى، هي أن السواد الأعظم من هؤلاء المرتادين، وبنسبة تقارب 97% ،هم من فئة الشباب. إن هذه النسبة ليست عابرة، بل لها دلالات جوهرية:
• الانكسار أمام الوعي: تثبت هذه الظاهرة أن الرهان على تغييب وعي الشباب العربي عبر المحتوى الرقمي السطحي هو رهان خاسر.
• تنوع المشارب: إن توزيع اهتمامات هؤلاء الشباب على مراجع فكرية وأدبية وعلمية متنوعة يشير إلى تشكل عقلية نقدية منفتحة، لا تحصر نفسها في لون واحد من المعرفة.
• المناعة الحضارية: إن الأمة التي يذوب شبابها عشقاً في الكتب، ويبحثون في صفحاتها عن الحقيقة، هي أمة عصية على الهزيمة الحضارية؛ فالمعرفة هي السلاح الوحيد الذي تقف أمامه قوى التخلف عاجزة ومشلولة.
ولم يكن اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ شخصية العام محض صدفة، بل جاء ليعيد ربط الجيل الجديد بجذور الإبداع الرصين. وقد لخص الشعار الذي اختارته اللجنة المنظمة من أقواله جوهر المعركة التي نخوضها اليوم:
“من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قروناً”
هذا الشعار ليس مجرد جملة دعائية، بل هو “قانون زمن”؛ فالفجوة بين الأمم لم تعد تقاس بالأميال، بل بمدى حرص شعوبها على القراءة والاطلاع.
في العصر الرقمي، أصبح البعض يتفاخر بترك الكتب الورقية بدعوى أنها إرث من الماضي. لكن مشهد الشباب وهم يحملون حقائب الكتب في المعرض يؤكد أن الكتاب الورقي لا يزال يمتلك “سحراً” وعلاقة وجدانية لا توفرها الشاشات الباردة. إنها العودة إلى الجوهر، والبحث عن الهدوء في زمن الضجيج الإلكتروني.
إن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية ليس مجرد تظاهرة ثقافية، بل هو استفتاء شعبي على حب المعرفة. فهذا الزخم الشبابي هو “صك أمان” للمستقبل، ودليل قاطع على أن شعلة التنوير لا تزال متقدة، وأن أمةً تقرأ هي أمةٌ لا تُهزم.
