“الأسطورة” في مواجهة “المؤسسة”… لمن ستُكتب الغلبة في أمريكا هذا العام؟

أطلق مؤخراً المغني الأمريكي المخضرم بروس سبرينغستين أغنية بعنوان: جيش الملك ترمب الصغير (King Trump’s Little Army)، أوجز فيها موقفه مما يحدث في أمريكا ترمب، وهو موقف تتبناه معه شريحة واسعة من أولئك الذين يصر الرئيس ترمب على تسميتهم باليساريين. إن ما نراه في أفكار سبرينغستين (التي تمثل الامتداد التقليدي للديمقراطية الليبرالية) هو الإيمان بأن السياسة هي “فعل مؤسساتي” محكوم بقواعد، بينما يراها ترمب “فعلاً هوياتياً”. فسبرينغستين يمثل التيار الذي يرى في أمريكا “حكاية مستمرة” من الوعود التي يجب الوفاء بها عبر الحوار والقانون؛ فهو يغني عن “الحياة الإنسانية” التي تتجاوز الولاء لشخص القائد. أما ما يفعله ترامب فهو تحويل الحزب الجمهوري من كيان سياسي يمتلك “أجندة محافظة” إلى منصة لـ “الترامبية” (Trumpism) . في هذا النموذج، لا يهم البرنامج الاقتصادي أو السياسي بقدر ما يهم “الولاء المطلق” للرواية التي ينسجها القائد.
فالمعطيات الحالية في مطلع 2026 تشير إلى أن استراتيجية ترمب في “إعادة صياغة ميثاق الحزب الجمهوري” بدأت تواجه اختباراً قاسياً يتمثل في تآكل “الغطاء البرلماني”، مع توقعات بحدوث “موجة زرقاء” (خسارة الجمهوريين لمقاعد عديدة في الكونجرس). فعلى ما يبدو فإن الجمهور الأمريكي “المستقل” بدأ يشعر بالإنهاك من حالة “الاستقطاب الدائم”. وثمن “الولاء للأشخاص” ينجم عنه اضطرار المرشحين الجمهوريين لتبني خطابات ترامب المتطرفة. فالتشكيك في المؤسسات أو السياسات الانعزالية جعلهم غير صالحين للاستهلاك الانتخابي في الدوائر المتأرجحة. هذا هو “الجيش الصغير” الذي حذر منه سبرينغستين؛ جيش مخلص جداً، ولكنه معزول انتخابياً.
ولكن هل تنتمي أفكار ترمب لعالم السياسة المتعارف عليه؟ بالإمكان الإجابة على هذا السؤال عبر تحليل “الترامبية” بوصفها “ظاهرة ما وراء سياسية”. فالسياسة المتعارف عليها تقوم على مبادئ (سوق حرة، تدخل دولي، إلخ). أما ترمب فيستبدل ذلك بـ “المعاملاتية” (Transactionalism)، وهي كل ما يخدم القائد في اللحظة الراهنة.
وفقاً لسبرنغستين وأغنيته “جيش الملك ترمب الصغير”، يصبح الهجوم على القائد هجوماً على “الوطن”. وهذا يحول الحزب الجمهوري من “مؤسسة” إلى “طائفة سياسية”، وهو ما يفسر حالة التمرد المحدودة التي نراها الآن داخل أروقة الحزب من قبل بعض التقليديين.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إخفاق الجمهوريين الوشيك في الانتخابات النصفية هو النتيجة المنطقية لتحويل الحزب إلى “بوق”. عندما يتوقف الحزب عن تقديم “حلول سياسية” ويصبح مجرد صدى لـ “صوت القائد”، فإنه يفقد قدرته على التوسع خارج قاعدته الصلبة. إن أغنية سبرينغستين (جيش الملك ترمب الصغير) لم تكن مجرد هجوم شخصي، بل كانت “نبوءة استراتيجية”؛ فالقائد الذي يبني “جيشاً صغيراً” من المخلصين جداً، قد ينتهي به المطاف محاصراً داخل حصون ولائهم، بعيداً عن أغلبية الشعب التي بدأت تبحث عن “السياسة” مرة أخرى في صناديق اقتراع 2026.

أضف تعليق