ترمب و”الدولة العميقة”… استمرارية البُنية في زمن تفكك النظام الدولي

لا يمكن فهم الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة حول وجود ما يُسمّى بـ “الدولة العميقة” بمعزلٍ عن السياق الدولي الأوسع الذي يشهد اليوم تآكلًا متسارعًا في قواعد النظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك شبكات نفوذ غير منتخبة تعمل داخل الدولة الأمريكية فحسب، بل ما إذا كانت بنية القوة الغربية برمّتها قد دخلت مرحلة انتقال مضطربة تحاول فيها المؤسسات الكبرى الحفاظ على موقعها عبر أدوات تتجاوز الأفراد وتغيّر الإدارات. وفي هذا الإطار، يغدو مفهوم “الدولة العميقة” أقرب إلى توصيفٍ تحليلي لبنية مركّبة تضم المجمع الصناعي–العسكري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والبيروقراطية الفيدرالية الممتدة وشبكات رأس المال الاستراتيجي والمؤسسات العابرة للحدود التي تشكّل الظهير الاقتصادي للنفوذ الجيوسياسي. ولا يُقصد بذلك بالضرورة كيانًا سريًا موحّدًا بالمعنى المؤامراتي، بل منظومة مصالح متشابكة تنتج درجة عالية من الاستمرارية في التوجّه العام للسياسة الخارجية والاستراتيجية الكبرى.
فمنذ نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، تبلورت داخل الولايات المتحدة معالم ما يمكن تسميته، على سبيل التحليل، بـ “دستور إمبراطوري” غير معلن؛ وهو عبارة عن مجموعة قواعد ضمنية تنظّم توجّه الدولة نحو التوسع الاقتصادي والسيطرة على خطوط الملاحة والطاقة ومنع ظهور منافسين مكافئين وبناء شبكات تحالفات أمنية عابرة للقارات. ومع اختلاف الرؤساء والأحزاب، يظهر عبر تتبع التاريخ العسكري والدبلوماسي الأمريكي خيط ناظم يصعب تفسيره بالعوامل الشخصية فحسب. فمن “سياسة الاحتواء” في الحرب الباردة إلى “الحروب بالوكالة” وإلى التدخلات المباشرة وإلى إدارة الأزمات بدل حلّها جذريًا وصولًا إلى إعادة الانتشار الاستراتيجي في مواجهة صعود قوى كبرى جديدة. هذه الاستمرارية لا تعني غياب التبدلات، لكنها تشير إلى أن هامش المناورة الرئاسي، مهما اتّسع، يظل محكومًا بقيود بنيوية عميقة.
وضمن هذا السياق البنيوي، تبدو تجربة دونالد ترمب أقلّ ثورية في الأهداف مما تُصوَّر غالبًا في الخطاب الإعلامي. فقد مثّلت سياساته قطيعة واضحة في الوسائل والخطاب تمثل في صدام علني مع الحلفاء وتشكيك في المؤسسات متعددة الأطراف وتوظيف مباشر للرسوم الجمركية وتحويل السياسة الخارجية إلى أداة ضغط تفاوضي فوري.
غير أنّ النتائج الاستراتيجية العامة، من حيث تكثيف المنافسة مع الصين والضغط على الشركاء لتحمّل أعباء أمنية أكبر وإعادة توطين سلاسل التوريد وتوسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل الاقتصاد والتكنولوجيا، لم تخرج جذريًا عن اتجاهات بدأت قبل إدارته وستسمر بعدها. وبهذا المعنى، يمكن قراءة ترمب بوصفه مُسرّعًا لانكشاف البنية لا مُفككًا لها. فلقد جعل ما كان يُدار بصمت داخل الغرف المغلقة مادةً للخطاب العلني، فأسهم في تسريع تصدّعات النظام الدولي بدلاً من أن يصنعها من الصفر.
غير أن الأخطر من السؤال حول نفوذ “الدولة العميقة” هو أن هذه الاستمرارية البنيوية نفسها باتت تعمل داخل بيئة عالمية مختلفة جذريًا تتجلى في صعود قوى منافسة ذات مشاريع حضارية–اقتصادية مستقلة وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية وتسييس الطاقة والتكنولوجيا وتآكل منظومات الردع التقليدية وانقسام المعسكرات الغربية داخليًا. وفي مثل هذا السياق، تتحول الاستراتيجية الكبرى من مشروع قيادة نظام عالمي مستقر نسبيًا إلى محاولة إدارة فوضى انتقالية، وهو ما يفسر تزايد اللجوء إلى أدوات الضغط القصوى كالعقوبات والحروب التجارية وعسكرة سلاسل التوريد وتسييس العملات. وهنا يلتقي ترمب والبنية المؤسسية العميقة عند نقطة واحدة تتمثل في الإقرار الضمني بأن مرحلة الهيمنة السلسة قد انتهت وأن الحفاظ على الموقع المتقدم يقتضي أدوات أشد خشونة، وإن اختلفت اللغة المستخدمة لتبريرها.

إن انكشاف هذه التحولات داخل المركز الغربي نفسه ساهم في إعادة تشكيل وعي الدول المتوسطة والصاعدة. فالتردد الأوروبي ومساعي الاستقلال الاستراتيجي وتموضع قوى الجنوب العالمي، ليست سوى أعراض على إدراك متزايد بأن النظام الذي كان يبدو صلبًا قد دخل مرحلة إعادة تفاوض شاملة. وبهذا المعنى، لا يمثّل الجدل حول ترمب و ”الدولة العميقة” شأنًا أمريكيًا داخليًا محضًا، بل عرضًا جانبيًا لاضطرابٍ أعمق يتجلى في تفكك التوافق الذي حكم النظام الدولي طوال سبعة عقود، وعودة السياسة العالمية إلى منطق الكتل والردع المتعدد والمساومات القسرية.
إن تجربة ترمب لا يمكن فهمها باعتبارها خروجًا جذريًا عن “المسار الإمبراطوري” الأمريكي، ولا بوصفها مجرّد نتاج شبكة خفية واحدة، بل باعتبارها لحظة تسارع تاريخي كشفت حدود النظام القائم وأدخلته مرحلة اضطراب بنيوي. ففي عالم يتآكل فيه الإجماع الدولي، تصبح الاستمرارية المؤسسية نفسها عامل توتر بدل أن تكون عنصر استقرار، وتتحول القوة من أداة تنظيم للنظام إلى وسيلة لمنع انهياره الكامل.

أضف تعليق