
في قلب السردية العلمية المعاصرة، تبرز ثغرة كبرى ترفض البايولوجيا التطورية، بآلياتها الداروينية الصارمة، أن تملأها: إنها معضلة “الهشاشة الإنسانية”. فبينما تترسخ الأنواع في بيئاتها عبر ملايين السنين من التكيف، يبدو الإنسان الكائن الوحيد الذي يسير عكس اتجاه “البقاء للأصلح”؛ فهو الكائن الذي تنفرط لديه منظومة العدوان الغريزي وتتداعى مناعته الفطرية وتجتاحه نوبات من العدمية التي لا تقدم أي ميزة تنافسية في صراع البقاء. إن هذه المقالة تسعى للكشف عن العلة الكامنة وراء هذا الاستثناء المحيّر، برؤية تربط بين الواقعة الميتافيزيقية والأثر الفسيولوجي.
إن هذه الهشاشة الشاملة ليست نتاج مسار تطوري عشوائي، بل هي الأثر المباشر لما يمكن وصفه بـ “السمية الوراثية الأولى” التي أصابت النوع الإنساني عقب الأكل من “الشجرة”. تلك الواقعة لم تكن مجرد رمز أخلاقي، بل كانت حدثاً بايولوجياً مفصلياً أحدث تضرراً في البنية الفسيولوجية لذرية آدم. لقد تسببت تلك المادة التحولية في “انفراط عقد العدوان”؛ فبينما تمارس الكائنات الأخرى العنف كأداة بايولوجية نظيفة مرتبطة بالحاجة (الغذاء أو الدفاع)، تحول العدوان لدى الإنسان إلى صيغة “طغيانية” لم تشهدها الطبيعة من قبل، صيغة تتجاوز الغريزة لتصبح نزوعاً تدميرياً واعياً.
ويواكب هذا الانفراط السلوكي اضطراب عميق في الوظائف الحيوية؛ فأي مبرر دارويني يمكنه تفسير تلك “الفاعلية الجنسية المفرطة” التي أصبحت عبئاً يستنزف الطاقة الحيوية بدلاً من أن يخدم “التناسل المبرمج”؟ وأي فائدة تطورية يجنيها الإنسان من نوبات الاكتئاب والضجر واليأس الوجودي؟ إن هذه الظواهر هي تجليات لخلل بنيوي جعل ردود أفعال الإنسان تنزاح عن سياقها الحيواني الرصين إلى سياق مأزوم. هذا الاضطراب النفسي والعصبي المستمر أدى بالضرورة إلى تدنٍ حاد في المناعة وارتفاع غير معهود في القابلية للإصابة بالأمراض؛ فكأن الجسد البشري، بفعل ذلك التضرر الوراثي القديم، قد فقد “درعه الطبيعي” وأصبح مكشوفاً أمام الوجود.
إن الرحلة من المقدمة إلى النتيجة تقودنا لليقين بأن الإنسان يعيش حالة “نفي بايولوجي”. ولكن، إذا كان التشخيص يكشف عن “ندبة وراثية”، فإن الاستشراف يوجب علينا البحث عن “الخلاص واستعادة التوازن” . إن هذا التوازن لن يتحقق عبر أدوات العلم المادي وحده، بل عبر مسار يعيد للإنسان اتصاله بما فقده. إن الخلاص يبدأ بكبح جماح تلك القوى المنفلتة (العدوان والطغيان والنزوع الغريزي المفرط) عبر “تسامٍ واعي” يعيد توجيه الطاقة نحو البناء. إنها رحلة ترميم تبدأ من الداخل؛ فبقدر ما يتصالح الإنسان مع حقيقة هشاشته، وبقدر ما يرتقي بروحه فوق سموم تلك “الشجرة الأولى”، يبدأ جسده في استعادة بوصلته المناعية والسكينة الفسيولوجية المفقودة، لينتقل من كائن مأزوم بهشاشته إلى كائن يجد في وعيه جسراً نحو فطرة جديدة ومتوازنة.
