
تفترض المقاربة الميتابايولوجية أن التحويلة التطورية الأولى لم تُنتج خللًا واحدًا منعزلًا، بل دشّنت ثلاثية اضطراب كبرى أعادت تشكيل “الشرط الإنساني” من الداخل:
1. تشوّه الهوية المعرفية
2. خلل الإرادة
3. القلق الوجودي
ولا تُفهم هذه المحاور بوصفها ظواهر مستقلة، بل كمنظومة مترابطة تتغذّى بعضها على بعض. ففقدان البوصلة المعرفية يضعف الإرادة وضعف الإرادة يضاعف القلق، فيما يولّد القلق حاجةً متزايدة إلى أوهام يقينية تعيد إنتاج التشوّه المعرفي في دورة حضارية مغلقة.
المحور الأول: تشوّه الهوية المعرفية
من فقدان التعريف إلى تضخّم الادعاء
ينطلق هذا المحور من فرضية أن الإنسان، بعد التحويلة، لم يعد قادرًا على تثبيت موقعه الإدراكي داخل العالم. لم يعد يعرف، بصورة مستقرة، ما الذي يمكنه معرفته حقًا، وما الذي يتجاوز قدرته الوظيفية. وبدل أن يتحوّل هذا الإدراك الحدّي إلى تواضع معرفي منتج، انقلب عند قطاع واسع من البشر إلى نقيضه تجلى في توسيع وهمي لنطاق الفهم. وهنا لا يظهر الخلل في الجهل ذاته، بل في العلاقة المرضية مع المعرفة، والمتمثل بالميل إلى سدّ الفراغات المعرفية بسرعة وتحويل الرأي إلى يقين والتعامل مع أعقد الأسئلة الفلسفية والعلمية كما لو كانت مسائل يومية قابلة للحسم الفوري. وضمن هذا السياق يبرز أحد أكثر أعراض هذا التشوّه دلالة، وهو ما يمكن تسميته بـ “متلازمة الطباخ الفيلسوف”. تشير هذه المتلازمة إلى نزعة الإنسان ما بعد التحويلة التطورية إلى الادعاء الضمني بإمكان الإحاطة بكل مجال: الفلسفة والسياسة والطب والجيواستراتيجيا والأخلاق، وحتى فنون الطهي، من غير مسار تراكمي طويل للمعرفة، ومن دون اعترافٍ صريح بحدود الاختصاص. فـ “الطباخ الفيلسوف” ليس صورة ساخرة فحسب، بل نمطًا أنثروبولوجيًا متكرّرًا يعكس تضخم الذات المعرفية بوصفه آلية تعويض عن فقدان مركز الهوية. فلو كان الإنسان متصالحًا مع حدوده الإدراكية، لما بدا العالم مليئًا بأفراد لا تُعجزهم معضلة ميتافيزيقية ولا إشكالية إبستمولوجية ولا وصفة مطبخ معقّدة. يفسَّر هذا العرض من منظور ميتابايولوجي باعتباره استجابة دماغية–وجودية لبيئة يقينية منهارة هي جوهر عالم مليء بأسئلة الغاية والمصير والمعنى، وذلك من دون مرجعيات فطرية مستقرة. وفي هذا السياق، يطوّر الدماغ استراتيجيات دفاعية أبرزها:
• إنتاج إجابات سريعة لردم القلق.
• تحويل الحدس إلى معرفة مكتملة.
• رفض الاعتراف بالجهل.
• تعويض هشاشة الهوية بتوسيع نطاق الادعاء.
وهكذا يتحول الادعاء المعرفي إلى وظيفة نفسية قبل أن يكون ممارسة فكرية.
المحور الثاني: خلل الإرادة
من الفعل الأخلاقي إلى العجز البنيوي
يرتبط تشوّه الهوية المعرفية مباشرة باختلال أعمق في مجال الإرادة. فإذا كان الإنسان عاجزًا عن تحديد موقعه الإدراكي، فإنه يصبح، بالضرورة، مرتبكًا في تحديد ما ينبغي فعله.
في المقاربة الميتابايولوجية، لا يُختزل خلل الإرادة في ضعف أخلاقي فردي، بل يُفهم بوصفه تآكلًا في منظومة الدفع العصبية–القيمية التي تربط المعرفة بالفعل. فيصبح الإنسان قادرًا على توصيف الخير، لكنه عاجز عن المبادرة إليه؛ قادرًا على نقد الشر، لكنه غير مبادر لمقاومته.
هنا تتغذّى المتلازمتان إحداهما من الأخرى. فالطباخ الفيلسوف يكثر من التنظير، لكن فائض الكلام يعوّض نقص الفعل. ويغدو الفكر، بدل أن يكون محرّكًا للإرادة، ستارًا لتجميدها.
المحور الثالث: القلق الوجودي
من السؤال إلى البنية النفسية الدائمة
أما القلق الوجودي فإنه يشكّل الخلفية الشعورية العميقة التي تغذّي كلا الاختلالين السابقين. فالإنسان ما بعد التحويلة التطورية يعيش في فضاء أسئلة مفتوحة بلا سقف نهائي: لماذا أنا هنا؟ ما الغاية؟ ماذا بعد الموت؟ ما معيار الخير؟ فحين تعجز الهوية المعرفية عن توفير إجابات راسخة، وتضعف الإرادة عن تحويل القيم إلى فعل، يتحول القلق من حالة ظرفية إلى بنية دائمة في النفس البشرية. وهنا يعود الدور الوظيفي لمتلازمة الطباخ الفيلسوف؛ إذ يعمل الادعاء المعرفي السريع كمسكّن مؤقت لهذا القلق، طمأنة لفظية أمام هاوية المعنى.
يتجلى التفاعل البنيوي بين المحاور الثلاثة كما يلي:
تشوّه الهوية المعرفية يتحول إلى خلل الإرادة والذي يتحول بدوره إلى قلق وجودي يتحول بدوره إلى حاجةٍ إلى يقين وهمي ثم العودة إلى تشوّه الهوية المعرفية. فيمكن تصوير اختلالات ما بعد التحويلة التطورية بوصفها دائرة مغلقة. وبذلك لا تكون هذه الاختلالات حالات طبية منفصلة، بل نظامًا حضاريًا كاملًا لإدارة الهشاشة الإنسانية.
وفي هذا الإطار، تُدرج «متلازمة الطباخ الفيلسوف» كعلامة مركزية على “الانكسار الإدراكي” الذي أصاب الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى، وهو انكسار امتد من المعرفة إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى القلق، ثم عاد ليعيد إنتاج نفسه عبر الحضارة الحديثة في صور رقمية أكثر كثافة وانتشارًا.
