بين نار طروادة ورخام تاج محل… تجليات الهشاشة الإنسانية في مرآة التاريخ

لا يُصنع التاريخ دائماً بقرارات العقل البارد أو بخرائط القادة العسكريين، بل غالباً ما يُكتب بمداد من الهشاشة الإنسانية. تلك الهشاشة التي تسكن في أعماق النفس البشرية، فتارةً تحرق مدناً بأكملها، وتارةً تبني صروحاً من رخام لتُرمم انكسار النفس. إن تأمل حادثتي “طروادة” و”تاج محل” يضعنا أمام وجهين لحقيقة واحدة: كيف يمكن لضعف الإنسان أمام عواطفه أن يغير وجه العالم؟
ففي قصة سقوط طروادة، تتجلى الهشاشة في صورتها الأكثر فتكاً، وهي الرغبة الجامحة. فلم يكن دمار طروادة مجرد صراع جيوسياسي، بل كان انفجاراً لتراكمات من الضعف البشري. فمن جهة، نجد “باريس” الذي استسلم لهشاشة القلب ووقع في غرام “هيلين”، مفضلاً نداء العاطفة على أمن شعبه. ومن جهة أخرى، نجد الهشاشة في ثوبها الجماعي؛ حيث تمثلت باليونانيين القدماء في صورة “عنجهية” وتعصب قومي؛ إذ وجدوا في فرار هيلين ذريعة لإشعال نيران الانتقام. ولولا هذا المزيج بين ضعف الفرد أمام رغبته، وضعف الجماعة أمام كبريائها الجريح، لما استمرت حرب العشر سنوات، ولما أصبحت طروادة أثراً بعد عين. وهنا، تظهر الهشاشة كقوة “طاردة” قادرة على هدم ما بناه الإنسان في قرون، لمجرد أنه عجز عن لجم نداء الغريزة أو كبح جماح الغرور.
وعلى النقيض من دمار طروادة، يبرز “تاج محل” كتجلٍ آخر للهشاشة، لكنه تجلٍ يميل نحو التعويض والبناء، وذلك حين أمر السلطان “شاه جهان” بتشييد هذا المعلم المعماري استذكاراً لزوجته “ممتاز محل”. فما قام به “شاه جهان” لم يكن مجرد بناء ضريح، بل كان يحاول ردم الهوة السحيقة التي خلفها الفقد في نفسه. وهذا التعلق الذي تجاوز حدود الحزن التقليدي هو في جوهره تعبير عن “الضعف الخَلْقي” للإنسان؛ ذاك الكائن الذي فُطِر على الحاجة للأمان والسكينة. وحين يفقد مصدر هذه السكينة، يصاب بـ “ذعر وجودي”. لقد كان “تاج محل” آلية نفسية دفاعية، ومحاولة بائسة (لكنها عظيمة) لملء الفراغ الوجداني عبر تحويل العاطفة الزائلة إلى مادة صلبة وخالدة. إنها رغبة الإنسان في استعادة “الراحة النفسية” المفقودة عبر فعل مادي يعطي وهماً بالبقاء، ويخفف من وطأة الشعور بالوحدة بعد زوال السند.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الهشاشة الإنسانية هي الخيط الرفيع الذي يربط بين حطام طروادة ورخام تاج محل. ففي الحالة الأولى، كانت الهشاشة “ناراً” أحرقت الحجر والبشر بسبب الرغبة والعنجهية. وفي الحالة الثانية، كانت “نوراً” (أو محاولة للأقتراب من النور) تجسدت في فنٍّ معماريٍّ يسعى لتعويض الانكسار النفسي. وفي نهاية المطاف، يخبرنا التاريخ أننا كائنات “هشة” بامتياز؛ تُحركنا عواطفنا أكثر مما تقودنا عقولنا، وفي هذا الضعف تحديداً تكمن عظمتنا ومأساتنا في آن واحد.

أضف تعليق