تشوّه الهوية المعرفية بعد التحويلة التطورية الأولى

تفترض المقاربة الميتابايولوجية أن التحويلة التطورية الأولى لم تُحدث خللًا فيزيولوجيًا صرفًا في بنية الإنسان العصبية فحسب، بل أطلقت سلسلة اضطرابات أعمق طالت تعريف الذات نفسها. فمنذ تلك اللحظة التأسيسية، لم يعد الإنسان كائنًا متصالحًا مع حدوده المعرفية أو موقعه الوجودي، بل أصبح مشروعًا مفتوحًا للتجريب المستمر على ذاته، يتقمص أدوارًا معرفية متعدّدة ويتنقّل بين الهويات الفكرية كما لو كانت أقنعة ظرفية لا جذور لها. وفي مقابل ذلك، يبدو الحيوان، بحسب هذا التصور كائنًا مستقر الهوية؛ حيث أن وظائفه الإدراكية مندمجة في نمط عيشه وحدوده المعرفية لا تشكّل لديه معضلة وجودية، لأنه لم يدخل أصلًا في التجربة التي حملت الإنسان على الاعتقاد بإمكان تجاوز موقعه الطبيعي داخل عالم الطبيعة. فحيث بقي الحيوان في دائرة الاكتفاء الوظيفي، اندفع الإنسان إلى مغامرة تعريف الذات بلا سقف واضح. وهي مغامرة أنتجت عبر تراكمها التاريخي ما يمكن تسميته بـ تشوّه الهوية المعرفية؛ وهذا التشوّه لا يتمثل في الجهل، بل في نقيضه الظاهري: في الاعتقاد المستمر بالقدرة على الفهم الشامل وفي الميل إلى سدّ كل فراغ معرفي بإجابة فورية، مهما كانت هشّة الأساس.
وضمن هذا السياق، يبرز أحد أكثر الأعراض دلالة على اختلال الهوية المعرفية، وهو ما يمكن تسميته بـ “متلازمة الطباخ الفيلسوف”. وتشير هذه المتلازمة إلى نزعة الإنسان ما بعد التحويلة التطورية إلى التعامل مع كل مجال، مهما بلغت تعقيداته البنيوية، بوصفه قابلًا للإحاطة السريعة والادعاء الكامل للفهم؛ بحيث لا تبدو المشكلات الفلسفية العميقة أشد استعصاءً من وصفة مطبخ، ولا يظهر التخصص المعرفي بوصفه مسارًا طويلًا للتدرّج والتواضع الإدراكي، بل عائقًا ثقافيًا يمكن تجاوزه بالحدس أو الرأي الشخصي. إن “الطباخ الفيلسوف” ليس شخصية كاريكاتورية، بل نمطًا أنثروبولوجيًا متكررًا: إنساناً يرى نفسه قادرًا على أن يكون كل شيء في آنٍ واحد، لا انطلاقًا من تعددية خلاقة، بل من تضخّم في صورة الذات المعرفية؛ تضخّم يعمل كآلية تعويضية عن فقدان مركز الهوية بعد التحويلة التطورية. فلو كان الإنسان قادرًا على تبصّر هويته المعرفية الحقيقية وحدودها الوظيفية داخل عالم الطبيعة، لما وجدنا الغالبية الساحقة من البشر لا تُعجزهم مشكلة ميتافيزيقية ولا معضلة إبستمولوجية ولا حتى وصفة مطبخ معقّدة.
من منظور ميتابايولوجي، لا تُفهم هذه المتلازمة بوصفها انحرافًا ثقافيًا طارئًا، بل كنتيجة مباشرة لتحوّل عميق في علاقة الدماغ بالمعنى واليقين. فبعد التحويلة التطورية، أصبح الدماغ البشري يعمل في بيئة وجودية تتّسم باللااستقرار الأنطولوجي: أسئلة مفتوحة عن الغاية والمصير والخير والشر. وفي مواجهة هذا الفراغ، طوّر آليات دفاع معرفية من بينها ردم القلق الوجودي بإجابات جاهزة وتحويل الرأي إلى يقين وتوسيع مجال الاختصاص الذاتي وهميًا واستبدال الاعتراف بالجهل بإنتاج تفسيرات متعجّلة. هنا يصبح الادعاء المعرفي لا وظيفة معرفية بل وظيفة نفسية-وجودية، وسيلة لإعادة ترميم صورة الذات المتصدعة. وبذلك يمكن إدراج “الطباخ الفيلسوف” ضمن طيف أوسع من المتلازمات الإدراكية التي تشمل عقل “الرجل الثالث” ووهم الإحاطة الكلية والتديّن المعرفي السريع؛ أي تحويل الأفكار الكبرى إلى شعارات استهلاكية.
وفي هذا العصر (عصرنا الرقمي)، تتخذ هذه المتلازمة بعدًا حضاريًا غير مسبوق. فاقتصاد المنصات وثقافة الرأي الفوري وتضخم سوق “الخبراء اللحظيين” جميعها وفّرت بيئة مثالية لازدهار الإنسان متعدد الادعاءات؛ هذا الانسان الذي تراه فيلسوفاً في الصباح وخبيراً جيواستراتيجياً في الظهيرة وطبيباً في المساء وطاهياً مُنظّراً عند منتصف الليل.
وهكذا يتحوّل تشوّه الهوية المعرفية من حالة نفسية فردية إلى بنية اجتماعية مكتملة، حيث تُكافأ السرعة بدل العمق واليقين بدل التردّد والجرأة في الادعاء بدل التواضع أمام التعقيد. وفي هذا المستوى، لا يعود السؤال: لماذا يتصرّف الأفراد بهذه الطريقة؟ بل: كيف أعادت البنية الحضارية نفسها إنتاج نمط إنساني يتغذّى على الوهم المعرفي بوصفه رأسمالًا رمزيًا؟

إن نحت مصطلح “متلازمة الطباخ الفيلسوف” يمثل محاولة لتوصيف أحد أخطر أعراض ما بعد التحويلة التطورية الأولى؛ وهي المرحلة التي انتقل فيها الإنسان من كائن يسعى إلى المعرفة إلى كائن يتخذ من ادعاء المعرفة “درعًا وجوديًا”. إنها ليست مشكلة تعليم، ولا أزمة ثقافة عامة، بل خلل بنيوي في علاقة الإنسان بحدوده الإدراكية والمعرفية؛ خلل يكشف عن تصدّع أعمق في تعريف الذات داخل العالم.

أضف تعليق