
تقدّم رواية “غاسل الصحون يقرأ شوبنهاور” مشهدًا سرديًا بسيطًا في ظاهره: عاملٌ هامشي في السلم الاجتماعي ينكبّ على قراءة واحد من أكثر الفلاسفة تشاؤمًا وحدّة في نقد الإرادة والوجود. غير أنّ هذا التلاقي بين العمل اليدوي القسري والفكر الميتافيزيقي القاتم لا يمكن قراءته، وفق المقاربة الميتابايولوجية، بوصفه مصادفة فنية أو مفارقة روائية طريفة، بل باعتباره تمظهرًا سرديًا لما أطلقت عليه سابقًا “متلازمة الطباخ الفيلسوف”؛ ذلك الكائن الذي يعيش انقسامًا حادًا بين موقعه العملي في العالم وبين تطلّعاته المعرفية والوجودية. ففي صيغتها النظرية، تشير هذه المتلازمة إلى إنسان ما بعد “التحويلة التطورية الأولى”، الذي لم يعد مندمجًا اندماجًا عضويًا في وظيفته البايولوجية والاجتماعية كما الحيوان، بل صار كائنًا مأزوم الهوية، يبحث عن تعريف ذاته عبر استعارة أنماط معرفية تفوق شروط عيشه الفعلي؛ فهو ليس فيلسوفًا محترفًا، ولا عاملًا مكتفيًا بدوره الوظيفي؛ بل مخلوق معلق بين مستويين: مستوى البقاء اليومي القسري ومستوى التأمل التجريدي الذي يعده بالخلاص أو التفوّق الرمزي. إن هذا الانقسام هو في ذاته عرض من أعراض تشوّه البوصلة الإدراكية التي ولّدتها التحويلة التطورية التأسيسية في الوعي الإنساني.
إن شخصية غاسل الصحون في رواية جبعيتي ليست مجرّد عامل بسيط شغوف بالكتب، بل تمثل نموذجًا دقيقًا للإنسان الممزّق بين منظومة بايولوجية تعمل داخل نظام اقتصادي صارم وعقل يهرب إلى التجريد الفلسفي. فقراءته لشوبنهاور لا تنبع من ترف ثقافي، بل من ضغط وجودي في محاولة منه لفهم الألم والإرادة والعبث والتفاوت بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وهنا تتقاطع الرواية مع منطق المتلازمة. فالفلسفة لا تظهر باعتبارها مهنة أو نظامًا معرفيًا مكتملًا، بل باعتبارها آلية تعويضية، أي شكلًا من أشكال إعادة ترميم الهوية في عالم لا يمنح الفرد اعترافًا رمزيًا بمكانته.
إن اختيار شوبنهاور تحديدًا ليس اعتباطيًا. ففلسفته التي ترى العالم محكومًا بـ«الإرادة العمياء» وبأن الألم هو البنية الخفية للوجود، توفّر لغاسل الصحون لغة تفسيرية لحياته الخاصة. ولكن، ضمن القراءة الميتابايولوجية، لا تكون العلاقة بين القارئ والفيلسوف علاقة تحرّر خالص، بل علاقة مضاعفة للتشظي. فالعامل يجد في التشاؤم الفلسفي تبريرًا لبؤسه والفلسفة تتحوّل من أداة تفكير نقدي إلى ملجأ نفسي. وهنا تبرز خطورة المتلازمة، وذلك حين يتحوّل الفكر إلى قناع وجودي أكثر منه أداة لإعادة تنظيم العلاقة بالعالم.
فعند الحيوان، بحسب التصور الميتابايولوجي، تتطابق الوظيفة مع الهوية. أما في الإنسان ما بعد التحويلة التطورية، فإن الوظيفة تنفصل عن تعريف الذات. فغاسل الصحون لا يرى نفسه غاسلًا للأطباق فحسب؛ بل قارئًا للفلسفة، مشروع مفكر، كائنًا أعلى مما يفرضه موقعه الاجتماعي. هذا الطموح المعرفي لا يُدان في ذاته، لكن الرواية تكشف هشاشته حين لا يجد سندًا بنيويًا في الواقع. هنا تعمل المتلازمة في مستواها الأعمق: الإنسان يستعير هوية معرفية لتعويض عجز بنيوي في نظام الاعتراف المجتمعي.
إن رواية “غاسل الصحون يقرأ شوبنهاور” يمكن أن تُدرج ضمن سلسلة الأعمال التي تكشف آثار التحويلة التطورية الأولى على الفرد المعاصر؛ وذلك كما بالإمكان تشخيصها في تشظي الذات وتضخّم الوعي النظري مقابل فقر السيطرة العملية على المصير واستخدام الفكر العالي كدرع نفسي ضد الإذلال اليومي. وبهذا المعنى، لا تكون الرواية قصة فردية فحسب، بل تشخيصًا سرديًا لوضع حضاري أوسع: ملايين «الطباخين الفلاسفة» و«غاسلي الصحون القرّاء» في عالم يطالب بالأداء الإنتاجي، لكنه يفيض بإغراءات التفلسف والتسامي الرمزي والهروب الذهني.
إن رواية “غاسل الصحون يقرأ شوبنهاور” تنجح في تقديم نموذج حيّ لما تصفه الميتابايولوجيا: إنسانٌ مأزوم الهوية، عالق بين جسده العامل وعقله القَلِق، بين رتابة الواقع وإغراء المعنى. وباستخدام مفهوم “متلازمة الطباخ الفيلسوف” بوصفه مفتاحًا قرائيًا، تتحوّل الرواية من نص اجتماعي إلى وثيقة أنثروبولوجية–حضارية ترصد تشوّه البوصلة الإدراكية بعد التحويلة التطورية الأولى، حيث لم يعد الإنسان يعرف على وجه الدقة “هل هو ما يعمل؟” أم “ما يقرأ؟” أم “ما يتوهّم أنه سيكون؟”.
