
لم تعد أزمات النظام الدولي المعاصر قابلة للفهم بوصفها اختلالات سياسية أو اقتصادية ظرفية، بل باتت تكشف في عمقها البنيوي، عن أزمة حضارية تتعلق بكيفية تشكّل النخب الحاكمة نفسها وبالمنظومات الثقافية والتربوية التي تنتج أنماط القيادة عبر الأجيال. فالتاريخ لا يصنع الطغاة لحظة وصولهم إلى السلطة، بل يصنعهم وهم بعدُ أطفال. وإذا كان القرن الحادي والعشرون يشهد عودة أنماط صلبة من التوسّع والقومية العدوانية وسياسات الإكراه الجيوسياسي، فإن السؤال الأعمق لا ينبغي أن يُطرح فقط على مستوى الاستراتيجيات الكبرى، بل على مستوى المصانع التربوية التي تُعيد تشكيل الخيال السياسي للأمم.
وهنا يندرج سؤال مركزي في هذه المقالة: متى تتوقف الحضارات عن صناعة الغزاة والطغاة؟
تؤدي الأسرة والمدرسة والذاكرة الجمعية دورًا حاسمًا في إنتاج ما يمكن تسميته “العقل الإمبراطوري الكامن”؛ ذلك النمط الإدراكي الذي يرى العالم بوصفه مجالًا مفتوحًا للهيمنة لا للشراكة. فحين يُلقَّن الأطفال سرديات تاريخية تمجّد القادة العسكريين دون إخضاعهم للمساءلة الأخلاقية، وحين يُختزل النجاح في السيطرة والعظمة في الاتساع الجغرافي، فإن النظام الحضاري نفسه يبدأ بإعادة إنتاج شروط انهياره. وذلك أن الحضارات التي تطبع أجيالها على “عبادة القوة” تُنشئ نخبًا لا تعرف منطق الحدود الجغرافية التي تفصل بين الدول، ولا تحتاج هذه النخب لاحقًا إلى اختراع مبررات جديدة؛ إذ يكفي أن تعيد تدوير المخزون الرمزي الذي شُحن في طفولتها: الأسطورة القومية والرسالة الحضارية والحق التاريخي.
في كثير من الثقافات، يُقدَّم الغزاة في المناهج المدرسية بوصفهم مهندسي التاريخ، فيما تُحجب الكلفة البشرية لمشاريعهم. فالإسكندر، قيصر، جنكيز خان، تيمورلنك، نابليون، كولومبوس، تتحول هذه الأسماء إلى نماذج طموح مجردة من سياق الضحايا. وبهذا المعنى لا يعود التاريخ سجلًا للفهم، بل خزانًا نمطيًا لتشكيل الطموحات السلطوية. فالطفل الذي يُربّى على حلم أن يكون “قيصر الثاني” أو “الإسكندر الجديد” لا يتدرّب على بناء دولة، بل على تخيّل العالم بوصفه غنيمة مؤجلة. وهكذا تتكوّن النخب السلطوية قبل أن تتكوّن الجيوش.
وحين تتراكم هذه الأنماط عبر القرون، تنتقل من مستوى الثقافة إلى مستوى البنية السياسية. فالنخب التي تربّت على سرديات الغلبة تميل إلى تبرير التوسع تحت ذريعة الأمن القومي وتحويل الهيمنة إلى ضرورة تاريخية وتصوير القانون الدولي بوصفه قيدًا مؤقتًا والتعامل مع الشعوب الأخرى كمناطق نفوذ لا شركاء. وفي هذه اللحظة، يبدأ النظام الدولي بالتآكل من الداخل. فالقواعد التي وُضعت لضبط الصراعات تفقد معناها حين تتولى القيادة طبقات اجتماعية تشكّل وعيها على منطق “الاستثناء الدائم”. وهنا لا يصبح تفكك النظام العالمي حادثًا فجائيًا، بل نتيجة تربوية متراكمة عبر الأجيال.
فالخلل لا يكمن في وجود قادة عدوانيين فحسب، بل في الحضارات التي تواصل إنتاجهم ثم تتفاجأ بسلوكهم. فحين تتطابق معايير النجاح الاجتماعي مع القدرة على الإكراه، وحين تُربط الوطنية بالسيطرة، تصبح السلطوية خيارًا منطقيًا لا انحرافًا. ويتحول الاستبداد من حالة طارئة إلى نمط إدارة. وهكذا تدخل الحضارة طورًا خطيرًا هو طور إعادة تدوير الطغيان بدل تجاوزه.
والآن، إذا كان تفكك النظام الحضاري يبدأ في المدارس والمخيلة الجمعية، فإن إصلاحه لا يمكن أن يكون سياسيًا فقط، بل يتطلب إعادة كتابة المناهج التاريخية بمنطق نقدي، وتقديم صورة حقيقة للقادة وليست أسطورية، وإدخال معايير أخلاقية في تقييم القوة، وتحويل البطولة من الفتح إلى الدفاع عن الوطن، واستبدال نموذج القائد الغازي بنموذج القائد الراعي للحقوق. فالحضارات لا تنهار حين تُهزم عسكريًا فقط، بل حين تُنشئ نخبًا لا ترى في العالم إلا ساحة اختبار للقوة.
إن السؤال عن توقف الحضارات عن إنتاج الغزاة ليس سؤالًا أخلاقيًا مجردًا، بل سؤال استراتيجي من الدرجة الأولى. فمستقبل النظام الدولي لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل نوع الخيال السياسي الذي يُزرع في عقول أفراد المجتمع منذ الطفولة. وحين تتغير نماذج القدوة، تتغير طبيعة السلطة. وحين تتوقف المجتمعات عن مكافأة الطغيان الرمزي في الذاكرة التاريخية، تبدأ احتمالات الاستقرار الحقيقي بالظهور.
