ما الذي يميز الإنسان حقًا عن الحيوان؟ من عامل الذكاء إلى عامل النفس

اعتاد العلم المعاصر، منذ أن ترسّخت الرؤية الداروينية في تفسير نشوء الحياة، أن يجعل الذكاء المتطور ذروة التمايز بين الإنسان وسلفه الحيواني. فاللغة الرمزية والتخطيط الطويل الأمد وصناعة الأدوات والقدرة على التجريد، كلّها تُقدَّم بوصفها مؤشرات فاصلة تُثبت انتقال الإنسان إلى مرتبة عليا داخل السلّم البايولوجي. غير أنّ هذا التركيز الأحادي على الذكاء، مهما بدا مبرَّراً من زاوية تطورية-وظيفية، يخفي في طياته اختزالاً خطيراً لـ “الحال الإنساني” (The Human Condition)، ويغفل عاملاً خفياً أشدَّ تأثيراً في تاريخ البشرية ومسار الكوكب ذاته: عامل النفس. فالإنسان لا يتصرّف دائمًا وفق مقتضيات البقاء البايولوجي، ولا تُختزل أفعاله في الحسابات النفعية التي تحكم سلوك الحيوان. فالحروب الإباديّة والتضحية المجانية والتدمير المنهجي للطبيعة وبناء الإمبراطوريات ثم التسبب في زوالها والاندفاع خلف أوهام الخلود أو النقاء العرقي أو السيطرة المطلقة، كلّها أنماط لا يمكن تفسيرها بزيادة في القدرة الإدراكية وحدها. بل تبدو، على العكس، وكأنها تنبع من منطقة أخرى في الدماغ البشري: منطقة الرغبة والقلق والغرور والرهبة والشعور بالذنب والتوق إلى المعنى والخوف من الفناء. وهنا يظهر الوجه الآخر لـ “القمر البشري”: عقلٌ بالغ الذكاء ونفسٌ مضطربة قادرة في آنٍ واحد على تشييد الحضارات وعلى تقويض شروط الحياة ذاتها.
بينما الحيوان، في المقابل، مهما بلغت درجة تعقيده العصبي، يظلّ محكومًا بـ “اقتصاد صارم” للسلوك كما يتجلى في: الغذاء والتزاوج والحماية والإقليم. حتى أشكال العدوان أو التضحية داخل الجماعات الحيوانية يمكن ردّها، في النهاية، إلى استراتيجيات بقاء أو اصطفاء طبيعي. فالحيوان لا يحرق الغابات ليُثبت تفوقه الرمزي، ولا يلوّث المحيطات بدافع الهيمنة المجردة، ولا يغامر بتدمير بيئته الكوكبية تحت شعار ميتافيزيقي أو حلم تاريخي. أما الإنسان، فيفعل ذلك كلّه، بل ويبرره نظريًا، ويضفي عليه هالة أخلاقية أو خلاصية أو تقدمية. وهذه القدرة على الانفصال عن مقتضيات البقاء المباشر هي، في ذاتها، علامة على حضور شيء يتجاوز الذكاء الأدواتي: نفسٌ قادرة على الانفلات من الحساب التطوري البسيط.
إذا كان الذكاء يمكّن الإنسان من الفهم والسيطرة، فإن النفس هي التي تحدد الوجهة. فهي التي تصوغ الرغبة في التملك والنزوع إلى الاستحواذ والبحث المحموم عن الاعتراف المجتمعي والهوس بالسيادة والخوف المرضي من الضعف والتوق إلى الخلود الرمزي عبر التاريخ أو التقنية أو السلطة.
ومن هنا يمكن القول إن أخطر ما في الإنسان ليس ما يعرفه، بل ما يريده. إن العامل النفسي هذا، بكل تناقضاته، هو الذي جعل البشر قادرين على إنتاج الفن والرحمة والعدالة، لكنه هو ذاته الذي دفعهم إلى المجازر الكبرى والانهيارات البيئية والعبث بمستقبل الكوكب. ولعلّ التراجع المتسارع في التنوع البايولوجي وتحوّل الأرض إلى منظومة بيئية هشّة، ليس نتاج قصور معرفي بقدر ما هو ثمرة لاختلال عميق في هذه البنية النفسية التي لم تعد تضبط طموحاتها ضمن حدود الاستدامة.
إن ما تقدم يكتسب قدرة على تذكيرنا بجسامة الخطأ الذي يصر العلم المعاصر على التغافل عن تشخيصه وتقديره حق قدره، وذلك حين ننتقل إلى مقاربة الذكاء الاصطناعي. فالخطاب العلمي-التقني المعاصر يعيد إنتاج الخطأ ذاته؛ إذ يقيس تفوق هذا الذكاء وفق السرعة الحسابية والذاكرة اللامحدودة والقدرة على التنبؤ واتخاذ القرار الأمثل. ويجري التساؤل: متى يتجاوز الذكاء الاصطناعي الإنسان؟ غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالتفوق الحسابي، بل بغياب ما يجعل الإنسان إنسانًا: النفس.
فالآلة، مهما بلغت درجة تعقيدها، لا تشعر بالقلق الوجودي ولا تخشى الموت ولا تطمح إلى المجد ولا تحمل شعورًا بالذنب ولا تعاني من عقدة النقص أو جنون العظمة ولا تُصاب بنشوة السيطرة. إنها تفتقر إلى ذلك الحقل المضطرب الذي يشكّل جوهر “الحال الإنساني” (The Human Condition).
ومن المفارقة أن هذا النقص هو بالضبط ما يجعل الذكاء الاصطناعي، في بعض السياقات، أكثر انضباطًا من الإنسان، وما ذلك إلا لأنه بلا رغبة أو خوف أو وهم أو طموح ميتافيزيقي. وهكذا ينقلب الميزان، فلا يعود تفوق الآلة خطرًا بسبب ذكائها وحده، بل لأن الإنسان وحده يحمل ذلك العامل النفسي القادر على توظيف أي أداة، مهما كانت محايدة، في اتجاهات كارثية.
من هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في معيار التمايز بين الإنسان والحيوان، بل وحتى بين الإنسان والآلة. فبدل أن يُختزل الفارق في مقدار الذكاء، ينبغي توسيع الإطار ليشمل البنية النفسية التي توجّه هذا الذكاء وتلوّنه أخلاقيًا وتاريخيًا وبيئيًا. إن الحيوان ذكي ضمن حدود بقائه. والآلة ذكية ضمن حدود برمجتها. أما الإنسان فإنه ذكي وخطر في ذات الوقت، ليس لأنه أذكى فحسب، بل لأنه الوحيد الذي يحمل في داخله ذلك المزيج القابل للانفجار من المعرفة والرغبة والقلق والطموح والرهبة والبحث عن المعنى. وهذا ربما، هو الفارق الحقيقي والمؤثر الفاعل. وما ذلك لان الانسان يفكر أكثر، بل لأنه يريد أكثر مما ينبغي له.

أضف تعليق