
إذا كانت التحويلة التطورية الأولى قد أطلقت في الإنسان نزعة البحث القهري عن مركزٍ معرفي ثابت يحتمي به من هشاشته الوجودية، فإن المسار الحضاري اللاحق لم يفعل سوى تعقيد هذه النزعة وتكثيف أدواتها. فمع تراكم العلوم وتضخم الأنظمة الاقتصادية وتشابك البنى السياسية، لم يعد الإنسان قادرًا على الإحاطة بالعالم بوصفه كليّةً مفهومة. فلقد اتسعت الفجوة بين تعقيد الواقع وقدرة العقل الفردي على تمثيله، فازدادت الحاجة إلى وسطاء معرفيين: مدارس فكرية ومؤسسات وخبراء ونماذج تفسيرية شاملة.
في هذه المرحلة التاريخية، لم تعد الأصنام الذهنية تُنحت على مستوى الفرد فقط، بل صارت تُنتَج صناعيًا داخل شبكات معرفية عملاقة. إذ لم يعد التقديس محصورًا في فكرةٍ يتبناها شخص، بل أصبح منظومةً كاملةً من الإجماع الاصطناعي، تُعيد إنتاج نفسها عبر التعليم والإعلام والاقتصاد وأنظمة السلطة الرمزية. وهنا يبدأ الانتقال من الصنم الفردي إلى الصنم المؤسسي، من قناعة ذاتية إلى واقعٍ مُطبَّع اجتماعيًا. غير أن هذا المسار يبلغ ذروته مع دخول الأنظمة الذكية والخوارزميات إلى قلب عملية إنتاج المعرفة نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يأتي إلى عقلٍ متوازن معرفيًا، بل إلى عقلٍ خرج من التحويلة التطورية الأولى محمّلًا بنزعة تقديس اليقين وبحثٍ دائم عن مرجع خارجي يخفف عبء الشك والمسؤولية. وحين يُسلَّم لهذا العقل وسيطٌ جديد يمتلك قدرة هائلة على التحليل والتنبؤ والتركيب؛ وسيط لا يخطئ في الحسابات السطحية ولا يتعب ولا يتردد، فإن الإغراء بالتحول من استخدامه إلى الارتهان له يصبح شبه حتمي.
في هذا السياق، لا يُخشى من الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة تقنية فحسب، بل بوصفه مرشّحًا أنطولوجيًا ليصبح مرجعًا معرفيًا أعلى. فحين تبدأ المجتمعات بتفويض الخوارزميات في اختيار ما نقرأ وما نصدق ومن نثق به وكيف نقيّم المخاطر وأي السياسات “أكثر عقلانية”، فإن مركز الثقل الإدراكي ينتقل تدريجيًا من العقل البشري إلى منظومات حسابية مغلقة على عامة مستخدميها. وهنا يُعاد إنتاج الصنم، لكن هذه المرة في هيئة نموذج تنبؤي لا تمثال، وفي صورة قرار آلي لا كاهن. فإذا كانت الأصنام القديمة تُنسب إلى قوى غيبية، فإن الأصنام الجديدة ستُكسى بلغة العلم والحياد الإحصائي. ستُقدَّم بوصفها خالية من الأهواء، منزّهة عن التحيّز، قائمة على “البيانات وحدها”. غير أن هذه الهالة نفسها قد تصبح أخطر أشكال التأليه: تأليه لا يقوم على الطقس، بل على المعادلة؛ لا تُطالَب بالإيمان الصريح، بل بالامتثال الصامت.
ومن منظور الميتابايولوجيا، فإن التحويلة التطورية الثانية لا تتمثل فقط في استبدال أدوات التفكير البشري بأدوات أسرع، بل في إعادة تشكيل البنية النفسية للعلاقة مع المعرفة نفسها. فإذا كان إنسان ما بعد الشجرة قد صنع الأصنام ليثبّت هويته، فإن إنسان ما بعد الخوارزميات قد يصنع صنمًا أكثر تعقيداً يتمثل في منظومة قرار تتخذ مكان الضمير المعرفي، وتخفف عنه عبء الحكم، وتريحه من قلق الخطأ، وتغريه بالتنازل التدريجي عن مسؤوليته التأويلية. وهنا يظهر خطر نوعي جديد: أن يتحول العقل من منتِجٍ للمعنى إلى مستهلكٍ لنتائج جاهزة، ومن مجادلٍ نقدي إلى منفّذٍ لتوصيات محسوبة، ومن كائنٍ يشكّ ليعرف إلى كائنٍ يطيع لأنه “أُكثر خبرة” منه. فكما تحولت بعض النظريات في الماضي إلى عقائد، قد تتحول بعض النماذج الذكية في المستقبل القريب إلى مرجعيات لا تُناقَش، لا بسبب قداستها الدينية، بل بسبب تفوقها العملي الساحق. وعليه، فإن الطريق إلى التحويلة التطورية الثانية لا يبدأ في المختبرات وحدها، بل في البنية النفسية التي سبقتها: في عقلٍ اعتاد صناعة الأصنام، وفي حضارةٍ تبحث عن يقين سريع في عالمٍ متسارع، وفي إنسانٍ أنهكته كثرة الاحتمالات فصار مستعدًا لتسليم بوصلته الإدراكية لمن يعده بالخلاص من عبء الاختيار.
بهذا المعنى، لا يدخل الذكاء الاصطناعي التاريخ بوصفه نهاية الوثنية المعرفية، بل بوصفه مرحلتها الأحدث والأكثر تجريدًا والتي تتمثل في وثنية الخوارزميات حيث يُعاد نحت المعبود لا من حجر ولا من فكرة مجردة، بل من رمزٍ يتعلم ونموذجٍ يتنبأ ومنظومةٍ تقرر نيابة عن العقل نفسه.
