
لطالما شكّلت طنين الحشرات في الحقول والغابات خلفيةً صوتيةً ثابتة للطبيعة الحيّة؛ علامة على وفرة الكائنات الدقيقة التي تقوم بأدوارٍ أساسية في استقرار الأنظمة البيئية. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في شهادات علماء أحياء ومراقبين بيئيين حول ما يمكن وصفه بـ “الصمت الحيوي”: انخفاض ملحوظ في أعداد الحشرات، ولا سيما تلك المرتبطة بالزراعة والغطاء النباتي الطبيعي. وهذا الصمت، في ظاهره مجرّد غياب أصوات صغيرة؛ لكنه في العمق قد يكون مؤشراً على اختلالات واسعة في التوازن البيئي، تحمل آثاراً بعيدة المدى على الغذاء والمناخ المحلي وصحة المجتمعات البشرية.
تؤدي الحشرات أدواراً لا غنى عنها في النظم البيئية، أبرزها:
• تلقيح النباتات الزراعية والبرّية، وهو ما يرتبط مباشرة بإنتاج الغذاء.
• تفكيك المواد العضوية وإعادة تدوير العناصر الغذائية في التربة.
• تنظيم السلاسل الغذائية بوصفها غذاءً رئيساً للطيور والزواحف والثدييات الصغيرة.
• ضبط الآفات عبر التوازن الطبيعي بين الأنواع.
وغياب هذه الوظائف أو تراجعها لا يُحدث خللاً محلياً فحسب، بل يطلق سلسلة من الاضطرابات البيئية المتراكمة.
فهناك تقارير بيئية صادرة عن مؤسسات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة و “الصندوق العالمي للطبيعة” تشير إلى أن أعداد الحشرات في كثير من البيئات الزراعية والطبيعية آخذة في الانخفاض بوتيرة مقلقة، خاصة في المناطق ذات الزراعة الكثيفة واستخدام المبيدات على نطاق واسع.
ويربط الباحثون هذا التراجع بمجموعة عوامل متداخلة، منها:
• التوسع الزراعي الأحادي الذي يقلل تنوّع النباتات.
• المبيدات الكيميائية وتأثيرها التراكمي على الكائنات الدقيقة.
• التغير المناخي واضطراب مواسم الإزهار والأمطار.
• تدمير المواطن الطبيعية نتيجة العمران وشق الطرق.
ولكن ماذا لو استمر هذا التراجع في أعداد الحشرات في الطبيعة؟
إذا استمر هذا التراجع، فإن نتائجه لن تبقى محصورة في الحقول والغابات، بل ستمسّ أسس الحياة البشرية نفسها. فاختلال التلقيح قد يؤدي إلى:
• انخفاض إنتاج المحاصيل الغذائية الأساسية.
• ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
• تقلّص التنوع الحيوي، وما يصاحبه من هشاشة بيئية متزايدة.
• ازدياد الاعتماد على حلول صناعية مكلفة لتعويض الخدمات التي كانت تقدمها الحشرات بالمجان.
من هنا يرى بعض العلماء أن “صمت الحشرات” ليس ظاهرة ثانوية، بل جرس إنذار مبكر لمسار بيئي قد ينتهي بأزمات غذائية وصحية عالمية.
لقد اعتاد البشر أن ينظروا إلى التحولات الكبرى في الطبيعة بوصفها علامات تستدعي التأمل والتفكر. ومن هذا المنطلق يبرز السؤال:
هل يجوز النظر إلى هذا الصمت المتنامي كواحد من إشارات اقتراب مرحلة حرجة في تاريخ البشرية، بل وربما كعلامة من علامات اقتراب الساعة؟
من زاوية علمية صارمة، لا يُعدّ هذا التعبير توصيفاً تجريبياً بقدر ما هو استعارة أخلاقية–حضارية تشير إلى بلوغ الضغوط البيئية حداً غير مسبوق. فالعلوم البيئية لا تتنبأ بنهايات كونية، لكنها تحذّر بوضوح من أن استمرار المسار الحالي يقود إلى نقاط لا رجعة فيها في استقرار النظم الطبيعية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنه سواء فُهم «صمت الحشرات» بوصفه أزمة بيئية قابلة للمعالجة، أو رمزاً لتحذير كوني أشمل، فإن دلالته المركزية واحدة، ومفادها أن الإنسان بات يضغط على منظومات الطبيعة إلى حدودها القصوى. وإذا كان الطنين الخافت للحشرات قد بدأ يختفي من الحقول، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نحن أمام علامة اقتراب النهاية؟ بل: هل نملك الإرادة الدينية والعلمية والسياسية والأخلاقية لتغيير المسار قبل أن يصبح هذا الصمت دائماً؟ إن الإصغاء إلى ما تقوله الطبيعة، حتى حين تعبّر بالصمت، قد يكون أحد أهم اختبارات القرن الحادي والعشرين للبشرية جمعاء.
