صمت الحشرات في عالم الطبيعة… هل هي علامة أخرى من علامات اقتراب الساعة؟

لسنوات طويلة، كان طنين النحل في الحقول وزقزقة الجداجد في الليالي الصيفية جزءاً من “الموسيقى التصويرية” للحياة على الأرض. لكن في الآونة الأخيرة، بدأ العلماء والمراقبون يلاحظون شيئاً مرعباً في هدوئه: الصمت. هذا الصمت ليس سكينةً، بل هو غياب مفاجئ لمليارات الكائنات الصغيرة التي كانت تشكل العمود الفقري لنظامنا البيئي. فهل نحن بصدد مشكلة بيئية عابرة، أم أننا نشهد فصلاً من فصول النهاية؟
يتحدث الباحثون عما يسمى “ظاهرة الزجاج الأمامي” (Windshield Phenomenon)؛ حيث لاحظ السائقون أن رحلاتهم الطويلة عبر الأرياف لم تعد تنتهي بزجاج سيارة مغطى ببقايا الحشرات كما كان الحال قبل عقدين. تشير الدراسات في مناطق مختلفة من العالم، لا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلى انخفاض حاد في كتلة الحشرات الحيوية بنسبة تتجاوز 75%.
هذا الانخفاض ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو نزيف في ذاكرة الأرض. الحشرات ليست مجرد كائنات “مزعجة”، بل هي:

  • مهندسة التلقيح: المسؤولة عن إنتاج ثلث ما نأكله من طعام.
  • عمال النظافة: المحلل الأساسي للفضلات العضوية التي تعيد الحياة للتربة.
  • قاعدة الهرم: الغذاء الرئيسي للطيور والبرمائيات والثدييات الصغيرة.
    إن العلماء يرون أن استمرار هذا الصمت سيؤدي إلى “انهيار كارثي للنظم البيئية من الأسفل إلى الأعلى”. فإذا اختفت الحشرات، ستلحق بها الطيور، ثم تنهار المحاصيل الزراعية، مما يضع الجنس البشري وجهاً لوجه مع المجاعة والفوضى الاقتصادية. إنه خطر لا يقل شأناً عن التغير المناخي، بل ربما يكون أسرع منه فتكاً وأشد صمتاً.
    وعندما نتأمل في هذا التلاشي المتسارع، لا يملك المرء إلا أن يستحضر المرويات الكبرى حول نهاية العالم. في الموروثات الدينية والفلسفية، غالباً ما تسبق “الساعة” أو التحولات الكونية الكبرى علامات في الطبيعة؛ اضطراب في موازين الخلق وانحباس في الأرزاق وتغير في أحوال الكائنات.
    إن هذا النقص الحاد في جند الله الصغار (الحشرات) يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل فقدت الأرض قدرتها على الاحتفاظ بتوازنها الذي أودعه الخالق فيها؟ وإذا كانت الحشرات، وهي الكائنات الأكثر صموداً وتكيفاً منذ ملايين السنين، قد بدأت بالرحيل، فماذا يخبرنا ذلك عن قرب رحيلنا نحن؟
    إن “صمت الحشرات” هو الصرخة الأكثر صخباً في عصرنا الحالي. إنها دعوة للمراجعة، ليس فقط لسياساتنا الزراعية واستخدامنا للمبيدات، بل لعلاقتنا الكلية بكوكب الأرض. فإذا كان هذا الصمت علامة من علامات اقتراب الساعة، فإن أولى خطوات النجاة هي الإنصات لهذا التحذير قبل أن يطبق السكون التام على عالمنا.

أضف تعليق