
من أكثر السلوكيات الحيوانية ثباتًا في علم الأحياء السلوكي ميلُ معظم الحيوانات البرية إلى تجنّب البشر، نتيجة قرون طويلة من الصيد والاضطراب البيئي والخطر المتكرر. غير أنّ المدونات التاريخية والدينية عبر ثقافات متباعدة جغرافيًا وزمنيًا تسجّل مشاهد مغايرة تمامًا، تتمثل في حيوانات تقترب من شخصيات دينية اقترابًا لافتًا، تمكث قربهم، وتبدو، وفق روايات الشهود، مستأنسة بصورة غير معتادة، بل أحيانًا «مطيعة» لإشاراتهم.
تستوقف هذه الظاهرة الباحث من زاويتين متلازمتين:
1. اتساع الانتشار المكاني–الزماني: ظهور روايات متشابهة في الهند وإيران وإيطاليا، وعلى امتداد أكثر من ألفي عام.
2. تشابه الوصف السلوكي رغم اختلاف الأطر العقائدية واللغوية والثقافية.
ومن بين الشخصيات التي تُستحضر غالبًا في هذا السياق: غوتاما بوذا، وعلي بن موسى الرضا، وفرنسيس الأسيزي.
إن هذه المقالة لا تهدف إلى إثبات نهائي للظاهرة بقدر ما تسعى إلى مساءلة معناها، وإلى الدعوة لتوسيع نطاق البحث التجريبي حولها بدل الاكتفاء بسردها بوصفها كرامات أو أساطير.
لنأخذ الأمثلة الواردة أعلاه مع شيء من التفصيل:
أولاً: تصف نصوص بوذية مبكرة مشاهد يظهر فيها بوذا محاطًا بالغزلان أو الطيور في البرية، ولا سيما في مواقع كحديقة الغزلان في سارناث. في هذه الروايات، لا يبدو الحيوان هاربًا أو متحفزًا، بل ساكنًا قريبًا من الناسك المتأمل. يلاحظ بعض الدارسين أن هذه الصور قد تكون رمزية تعليمية تهدف إلى تجسيد الانسجام الكوني واللاعنف، بينما يرى آخرون أن تكرار الإشارات إلى الحيوانات في سياقات متعددة قد يشير إلى تجارب واقعية أُعيد تأويلها لاهوتيًا لاحقًا. يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بناء أدبي–تعليمي، أم أمام نمط سلوكي فعلي لوحظ في محيط شخصية عُرفت بالهدوء الشديد والعزلة الطويلة في الطبيعة وهي ظروف قد تُقلّل فعلًا من خوف الحيوانات؟
ثانياً: الإمام علي بن موسى الرضا في الروايات الإسلامية
تورد بعض المصادر الإسلامية روايات عن اقتراب حيوانات من الإمام علي الرضا، أو لجوئها إليه، أو استجابتها لإشاراته. ولقد نُقلت هذه الأخبار عبر شهود قيل إنهم عاصروا الحدث أو سمعوه من دوائر قريبة منه. واللافت هنا أنّ هذه الروايات تظهر في سياق ثقافي يولي قيمة عالية لشهادة العدول وتسلسل النقل، ما يمنحها في نظر المؤمنين درجة من المصداقية التاريخية. غير أنّ المنهج العلمي الحديث يطالب بما هو أكثر: مقارنة النصوص ودراسة زمن تدوينها وتحليل إمكانية تضخيم الحدث بفعل التقديس اللاحق للشخصية.
ومع ذلك، فإن تشابه النموذج السلوكي مع روايات بوذية ومسيحية، وعلى الرغم من الفوارق العقدية العميقة، يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت هناك عوامل إنسانية–بيئية مشتركة قد تفسر بعض هذه الوقائع.
ثالثاً: القديس فرنسيس الأسيزي والذئب والطيور
في أوروبا القرون الوسطى، اشتهر فرنسيس الأسيزي بقصص مخاطبته للطيور وترويضه للذئب في بلدة غوبيو. هذه الحكايات ليست هامشية في سيرته، بل تشكّل محورًا روحيًا أساسيًا في التقليد الفرنسيسكاني، حيث تُعرض بوصفها تعبيرًا عن تصالح الإنسان مع الخليقة.
ومرة أخرى، يقف الباحث أمام احتمالين متداخلين: تضخيم رمزي ولاهوتي لوقائع محدودة. أو تجارب فعلية مع حيوانات ربما اعتادت وجوده اليومي وهدوئه وطريقة حركته غير المهدِّدة. فبدلاً من الاكتفاء بتصنيف هذه الروايات في خانة “الخارق” أو رفضها جملةً، تقترح هذه المقالة مقاربة أوسع تقوم على:
1. جمع موسَّع للحالات من تقاليد دينية أخرى: الهندوسية، الطاوية، التصوف الإسلامي، الزهد المسيحي الشرقي.
2. تحليل بيئي–سلوكي: هل عاش هؤلاء الأشخاص طويلًا في الطبيعة؟ هل اتسمت حركاتهم ونبراتهم بدرجات منخفضة من التهديد للحيوان؟
3. دراسة التأثير النفسي–الفسيولوجي للهدوء الشديد أو السكون الطويل للإنسان على استجابات الحيوانات.
4. مقارنة زمنية نقدية للنصوص: متى كُتبت؟ من هم الشهود؟ كيف تطوّر السرد عبر الأجيال؟
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أنّ اتساع انتشار هذه الروايات عبر ثقافات متباعدة يجعل من الصعب ردّها جميعًا إلى محض مصادفة أو اختلاق موضعي، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بالقفز مباشرة إلى استنتاجات ميتافيزيقية دون أدوات فحص صارمة. ولعلّ القيمة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكمن في كونها برهانًا على القداسة بحد ذاتها، بل في كونها ميدانًا خصبًا لتعاون جديد بين المؤرخين وعلماء الأديان المقارنة وعلماء السلوك الحيواني وعلماء الانسان (الأنثروبولوجيين). فالانتقال من السرد الإيماني إلى الاستقصاء المنهجي، من دون نفي ولا تسليم مسبق، قد يفتح نافذة غير متوقعة على علاقة الإنسان بالحيوان، وعلى حدود ما نعرفه فعلًا عن كل منهما.
