
يشيع في بعض القراءات الاختزالية للآية الكريمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (91- المائدة) أن الخمر والميسر هما الأداتان الحصريتان اللتان يعتمد عليهما الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس. غير أن هذا الفهم يُثير سؤالاً تفسيرياً مركزياً: هل الآية بصدد حصر وسائل الشيطان، أم أنها بصدد بيان مقصده البنيوي في علاقته بالإنسان، مع ذكر نموذجٍ تطبيقي لهذه الوسائل؟
تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن الحصر الوارد في تركيب “إنما يريد” متعلّق بالإرادة والغاية، لا بتعداد الأدوات. إن أداة الحصر “إنما” تفيد قصر الإرادة على مضمون محدد. غير أن هذا القصر، من حيث البنية المنطقية، ينصبّ على الغاية لا على الظرف الذي تجلّت فيه. فمقاصد الشيطان في الآية تُبنى وفق تسلسل واضح يتمثل في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس ثم استثمار هذا التفكك الاجتماعي والنفسي في صدّهم عن ذكر الله وعن الصلاة. وبذلك تكون الخمر والميسر مذكورتين باعتبارهما مجالين يظهر فيهما هذا المقصد بوضوح، لا باعتبارهما قائمة مغلقة لوسائل الإغواء.
يكتسب ذكر الخمر والميسر قوة تفسيرية خاصة لكونهما يمثلان صورتين نموذجيتين للكيفية التي يتبعها الشيطان في إغواء الانسان؛ فالخمر يُضعف جهاز الضبط الإرادي والانفعالي، فيُسرّع الانتقال من الاحتكاك إلى العدوان ومن التوتر إلى البغضاء. كما وأن الميسر يؤسس علاقة تنافس صفريّ، تُنتج إحساساً بالغبن والخصومة وتراكم الأحقاد. ومن ثمّ فاختيارهما في السياق القرآني ليس اعتباطياً، بل لأنهما يُجسّدان على نحوٍ مكثف كيفية توليد النزاع داخل الجماعة الإنسانية.
غير أن آياتٍ قرآنيةً أخرى تُسهم في توسيع هذا الأفق المقاصدي، إذ تتكرر الإشارة إلى فعل الشيطان بصيغ من قبيل «النزغ» و«الإيقاع بين الناس»، دون ربط ذلك بوسيلة بعينها. ويُلاحظ أن هذه النصوص تقرن فعل النزغ غالباً بوسائل لغوية أو نفسية أو تأويلية من مثل سوء الظن والتحريض والكلمة المستفزة وتأجيج الغيرة. ويكشف هذا الاتساع في التعبير القرآني أن الشيطان يعمل وفق استراتيجية عامة قوامها تفكيك العلاقات البشرية من الداخل، وليس مجرد دفع الفرد إلى معصية معزولة.
ويمكن تلخيص المنطق الداخلي للآية في ثلاث حلقات مترابطة:
1. تعطيل التوازن النفسي والاجتماعي عبر النزاع والكراهية.
2. تحوّل النزاع إلى حالة عامة من الانشغال والانفعال.
3. استغلال هذه الحالة في قطع الصلة بمصدر الضبط الروحي والأخلاقي: ذكر الله والصلاة.
وعليه، فإن الآية الكريمة لا تعالج سلوكاً فردياً فحسب، بل تكشف عن رؤية قرآنية عميقة للفساد بوصفه عملية تفكيك منظومي تبدأ بالعلاقات وتنتهي بانهيار المرجعية الروحية.
إن هذا التحليل يُفضي إلى ثلاث خلاصات رئيسة:
1. الحصر في الآية موجّه إلى مقصد الشيطان لا إلى وسائله.
2. الخمر والميسر مثالان تطبيقيان على آلية عامة قابلة للتجدد عبر صور أخرى بحسب السياق التاريخي والاجتماعي.
3. المعيار الجامع في الحكم على الوسائل ليس اسمها، بل أثرها فكل ما يُنتج عداوة وبغضاء ويصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة يندرج في منطق الآية وإن لم يُذكر نصاً.
